ج / 10 ص -345- وَتَعَالَى، وَلَا إلَى الْخَلْقِ، قَالَ: فَأَخْرَجْنَا بِخُصُوصِ مَا لَيْسَ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا بِلَا تَقَرُّبٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الصَّدَقَةَ، وَإِلَى الْخَلْقِ الْهَدِيَّةَ وَالْهِبَةَ قلت: وَهَذَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْقِمَارُ، بَلْ هَذَا هُوَ حَدُّ الْقِمَارِ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِمَارِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَنَّ الْقِمَارَ لَا بَدَلَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْحَدُّ الصَّحِيحُ لِلرِّبَا فِي الشَّرْعِ مَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ كَتَبْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا. وَالْجَاوَرْسُ - بِالْجِيمِ - وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْحَبُّ الَّذِي يُعْصَرُ مِثْلُ الدَّخَنِ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الدَّخَنِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، هُوَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ وَهُوَ مُعْرَبٌ كَاوَرْسَ، حَكَى ذَلِكَ عَنْ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ الْفَرْعانِيُّ.
فائدة: اُشْتُهِرَ عَنْ مَذْهَبِنَا التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ بِالنَّقْدِيَّةِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ: إنْ كَانَ كَلَامُ الشَّارِعِ نَصًّا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فَلَا يُرَى لِلْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ وَقْعًا، وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ عَنْ الْحُكْمِ بِفَسَادِهَا، وَإِنَّمَا تُقَيَّدُ إذَا كَانَ قَوْلُ الشَّارِعِ ظَاهِرًا يَتَأَتَّى تَأْوِيلُهُ، وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْكَثِيرِ مَثَلًا دُونَ الْقَلِيلِ فَإِذَا سُحِبَتْ عَلَيْهِ تَوَافَقَ الظَّاهِرُ عِصْمَتَهُ مِنْ التَّخْصِيصِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، لَا تَنْزِلُ مَرْتَبَتُهَا عَنْ الْمُسْتَنْبَطَةِ الْقَاصِرَةِ، ثُمَّ فِيهِ رَيْبٌ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ كَانَ مُتَعَرِّضًا لِلتَّأْوِيلِ، وَلَوْ أُوِّلَ لَخَرَجَ بَعْضُ الْمُسَمَّيَاتِ، وَلَأُزِيلَ الظَّاهِرُ إلَى مَا هُوَ نَصٌّ فِيهِ فَالْعِلَّةُ فِي مَحَلِّ الظَّاهِرِ كَأَنَّهَا ثَابِتُهُ فِي مُقْتَضَى النَّصِّ مِنْهُ، مُتَعَدِّيَةٌ إلَى مَا اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِيهِ، عَاصِمَةٌ لَهُ عَنْ التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ، فَكَانَ ذَلِكَ إفَادَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا حَقِيقِيًّا، وَلَا يَتَّجِهُ غَيْرُ ذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ"الْحَدِيثُ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ، فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ نَصٌّ بَطَلَ التَّعْلِيلُ بِالنَّقْدِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى إجْرَائِهِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَقَدْ صَارَ بِقَرِينَةِ الْإِجْمَاعِ نَصًّاقلت: أَمَّا الْحَظُّ الْأُصُولِيُّ فَقَدْ وَفَّيْنَا بِهِ وَالْأُصُولُ لَا تَصِحُّ عَلَى الْفُرُوعِ فَإِنْ تَخَلَّفَتْ مَسْأَلَةٌ فَلْيُمْتَحَنْ بِحَقِيقَةِ الْأُصُولِ فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَلْيُطْرَحْ. هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ.
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْأَنْبَارِيُّ الشَّارِحُ وَقَالَ: إنَّ الْقَاصِرَةَ مُقَيَّدَةٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مِنْ نَصٍّ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّخْصِيصِ لَا تُقَدَّمُ عَلَى الْقَاصِرَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ مُتَرَقِّيَةً فِي الرُّجْحَانِ عَنْ رُتْبَتِهَا وَهَذَا غَيْرُ مَا يُهَيَّأُ لَأَنْ تَكُونَ مُعَارَضَةً لِلْمُتَعَدِّيَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَاصِرَةَ مُقَيَّدَةٌ مُطْلَقًا، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ قَوَاعِدِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ الْوُقُوفَ عَلَى حِكْمَةِ النَّصِّ وَكَوْنَ حُكْمِهَا مُتَعَدِّيًا إلَى غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ مَا يُشَارِكُهُ فِي الْمَعْنَى، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَيْهِ فَهَذِهِ ثَلَاثُ فَوَائِدَ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ فِي مَنْعِهَا التَّخْصِيصَ فِي الظَّاهِرِ فَائِدَةٌ أُخْرَى جَلِيلَةٌ لَكِنَّا نَقُولُ: لَا تَنْحَصِرُ الْفَائِدَةُ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ:"إنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى إجْرَائِهِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَصَارَ كَالنَّصِّ"يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْقَلِيلَ إذَا انْتَهَى فِي الْقِلَّةِ إلَى حَدٍّ لَا يُوزَنُ لَا تُجْمِعُ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ، بَلْ أَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِيهِ كَمُخَالَفَتِهِ فِي بَيْعِ تَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ دُرَّةٍ بِدُرَّةٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، كَذَا قَالَ الْفَرْغَانِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مِنْ كُتُبِهِمْ، فَيُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْعِلَّةِ وَهِيَ جِنْسُ الْأَثْمَانِ فِي ذَلِكَ، وَمُنِعَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ فِيهِ، وَتَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ الَّتِي حَاوَلَهَا الْإِمَامُ وَإِلَّا فَآخِرُ كَلَامِ الْمَذْكُورِ فِي الْبُرْهَانِ يُشِيرُ إلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ لِعَدَمِ الْجَرَيَانِ عَلَى الْقَانُونِ الَّذِي مَهَّدَهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرَى أَنْ يُضِيفَ الْحُكْمَ إلَى