ج / 10 ص -341- فَإِنْ قُلْتَ: وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي نَقَلْتُمُوهُ عَلَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ مِنْهُ الْمَعْنَى الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ وَيُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ؟ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؟ قلت: قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي اللُّمَعِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى غَيْرَ الْمَعْنَى الَّذِي قِيسَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، مِثْلَ قِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ بِعِلَّةِ الطَّعْمِ ثُمَّ يُسْتَنْبَطُ مِنْ الْأُرْزِ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهُ فَيُقَاسَ عَلَيْهِ النَّيْلُوفَرُ فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجُوزُ وَمِنْهُمْ: مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَقَدْ بَصُرْتُ فِي التَّبْصِرَةِ جَوَازَ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَأَطْلَقَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْخَطِيبِ الْمَنْعَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ قَالَ: لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي يُلْحَقُ بِهَا الْأَصْلُ الْقَرِيبُ بِالْأَصْلِ الْبَعِيدِ إنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي يُلْحَقُ بِهَا الْفَرْعُ بِالْأَصْلِ الْقَرِيبِ، أَمْكَنَ رَدُّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ الْبَعِيدِ، فَيَصِيرُ الْقَرِيبُ لَغْوًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا لَزِمَ تَعْلِيلُ الْأَصْلِ الْقَرِيبِ بِعِلَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا: عَدِيمَةُ الْأَثَرِ، وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْأَصْلِ الْبَعِيدِ، وَيَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ سَوَاءٌ جَوَّزْنَا التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَنْبَطَتَيْنِ أَوْ لَا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا لِمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مِثَالُ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَقَدْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَطِيبِ: إنَّ ذِكْرَ الْقَرِيبِ يَكُونُ لَغْوًا مَمْنُوعٌ، بَلْ ذَلِكَ لِقُوَّةِ التَّقَارُبِ بَيْنَهُمَا الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْمَطْعُومِ النَّادِرِ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ وَبَيْنَ الْمَطْعُومِ غَالِبًا الْمَكِيلُ أَوْ الْمَوْزُونُ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطْعُومِ الْعَامِّ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى، نَعَمْ مَا قَالَهُ ابْنُ الْخَطِيبِ يُقَرَّرُ فِي حَقِّ الْمُنَاظِرِ الَّذِي يَقْصِدُ دَفْعَ خَصْمِهِ بِأَقْرَبِ الطُّرُقِ، وَمَا قُلْنَاهُ أَقْرَبُ إلَى طَرِيقَةِ الْمُنَاظِرِ الَّذِي يَقْصِدُ تَحْقِيقَ الْأَشْيَاءِ وَتَقْرِيبَ الْمَأْخَذِ مِمَّا أَمْكَنَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ دَاوُد الشَّارِحِ لَهُ مَا يَقْتَضِي وُرُودَ هَذَا السُّؤَالِ عَلَيْهِ، بَلْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ أَلْحَقَ الْقَرِيبَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهِ. ثُمَّ أَلْحَقَ الْبَعِيدَ بِهِمَا لَا بِالثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ وَحْدَهُ. فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَلَ لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً وَلَكِنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ، وَالْمُسْتَنْبَطُ لَا يَدَّعِي الْعُبُورَ عَلَى الْعِلَّةِ قَطْعًا، فَإِلْحَاقُ الْمَطْعُومِ الْمَكِيلِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَقْوَى وَأَشَدُّ شَبَهًا، فَيَكُونُ الظَّنُّ الْحَاصِلُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ أَتَمَّ وَالْمَطْعُومُ غَيْرُ الْمَكِيلِ قَارٌّ فِيهِ وَصْفٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَجَّحَ خِلَافُهُ، فَكَذَلِكَ بَعْدُ، نَعَمْ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّرْتِيبِ مَعْنًى بَلْ حَيْثُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ أُلْحِقَ بِالْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ فِيهِ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
فائدة: قَالَ الرُّويَانِيُّ قِيلَ: حَدُّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا كُلُّ مَا يُبَاحُ تَنَاوُلُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى هَيْئَةِ مَا يُقْصَدُ تَنَاوُلُهُ تَغَذِّيًا أَوْ ائْتِدَامًا أَوْ تَفَكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعَ؛ لِأَنَّهَا تُقْصَدُ لِنَفْعِ الْبَدَنِ.
فرع: مَا يَأْكُلُهُ بَنُو آدَمَ وَالْبَهَائِمُ جَمِيعًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْوَاجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ أَغْلَبُ حَالَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَكْلَ الْآدَمِيِّينَ فَفِيهِ الرِّبَا كَالشَّعِيرِ؛ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَكْلَ الْبَهَائِمِ فَلَا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: كَالرَّطْبَةِ،