ج / 10 ص -340- دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ اسْتَمَرَّ عَلَى الرِّبَا وَلَوْ سُلِّمَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إنْشَاءَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَتَقْرِيرَهَا مِنْ يَوْمئِذٍ.
فرع: جَرَيَانُ الرِّبَا فِيمَا لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ ثَبَتَ الرِّبَا بِعِلَّةِ الْأَصْلِ؟ أَوْ بِعِلَّةِ الِاشْتِبَاهِ؟ فَمِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّمَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ فِيهِ الرِّبَا بِعِلَّةِ الِاشْتِبَاهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا حَرَّمْنَا غَيْرَ مَا سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمَأْكُولِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ،؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَمَّى فَجَعَلَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الرِّبَا بَعْدَ الْأَصْلِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا: وَمَا خَرَجَ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ فَقِيَاسُهُ عَلَى مَا يُؤْكَلُ وَيُكَالُ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُؤْكَلُ، فَجَعَلَهُ مُلْتَحِقًا بِالْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ الشَّبَهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ تَرْجِيحًا لِلْعِلَّةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْآخَرُونَ هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَقْصُودُهُ بِذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ الْمَأْكُولَ الْمَوْزُونَ لَا يُقَاسُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِعِلَّةِ الْوَزْنِ، بَلْ يُقَاسُ عَلَى الْمَأْكُولِ الْمَكِيلِ، فَيَكُونُ الْوَزْنُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مِنْ نَصِّهِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الْآجَالِ فِي الصَّرْفِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ بِأَنَّ فِي مَعْنَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ كُلَّ مَكِيلٍ وَمَشْرُوبٍ بِيعَ عَدَدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ الْمَاسَرْجِسِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا رَجَعَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه عَنْ عِلَّتِهِ فِي الْقَدِيمِ وَإِنَّمَا أَلْحَقَ الْمَطْعُومَاتِ مِنْ الْمَعْدُودَاتِ بِهَا مِنْ طَرِيقِ عِلِّيَّةِ الشَّبَهِ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، فَأَفَادَ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِ رُجُوعِ الشَّافِعِيِّ عَنْ عِلَّتِهِ فِي الْقَدِيمِ، بَلْ أَلْحَقَ بِهَا شَيْئًا آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ يَعْتَضِدُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَقِيبَ مَذْهَبِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْقَدِيمِ وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ يُشْتَرَطُ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ، وَقَالَ ابْنُ دَاوُد فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه مَا دَامَ يَجِدُ زِيَادَةَ تَقْرِيبٍ وَاجْتِمَاعٍ فِي الْمَعَانِي بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، قَالَ بِذَلِكَ وَحَدِيثُ عَدَمِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ قَالَ بِعِلَّةِ الطَّعْمِ الْعَامِّ إنْ وَجَدَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فِي مِثْلِ الْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ بِالطَّعْمِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ.
قلت: وَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ الْمَطْعُومَاتِ الْمَكِيلَةَ مَقِيسَةٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ نَقِيسُ الْمَطْعُومَاتِ الْمَوْزُونَةَ عَلَى الْمَطْعُومَاتِ الْمَكِيلَةِ وَالْمَوْزُونَاتِ ثُمَّ نَقِيسُ الْمَطْعُومَاتِ النَّادِرَةِ عَلَى الْمَطْعُومَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَوْزُونَةٍ وَلَا مَكِيلَةٍ وَإِنَّمَا رَتَّبْنَا هَذَا التَّرْتِيبَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُقَاسُ بِالشَّيْءِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ كَثِيرَةٌ أَوْ مُشَابَهَةٌ بِأَخَصِّ أَوْصَافِهِ إذْ الْقِيَاسُ تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ فَنَقِيسُ الْمَكِيلَاتِ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ، ثُمَّ نَقِيسُ عَلَيْهَا الْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ