ج / 10 ص -339- الصَّحِيحِ خِلَافًا لِابْنِ كَجٍّ، وَالْخُرَاسَانِيِّ لَيْسَ رِبَوِيًّا خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، نَقَلَهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ، وَحَكَمَ السِّيرَافِيُّ حُكْمَ الْخُرَاسَانِيِّ، قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ، وَالطَّفْلُ الْمِصْرِيُّ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ، قَالَهُ نَصْرٌ وَغَيْرُهُ.
فرع: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْجَوَابِ عَنْ اعْتِرَاضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ طَعْمٌ، قَالَ: إنَّا لَا نَعْتَبِرُ وَإِنَّمَا نَعْتَبِرُ مَا يُطْعَمُ غَالِبًا. وَالِاعْتِبَارُ فِي الطَّعْمِ بِمَا يَعْدِلُهُ فِي حَالِ الِاعْتِدَالِ وَالرَّفَاهِيَةِ، دُونَ سِنِي اللَّازِمِ وَالْمَجَاعَةِ، قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ.
فرع: الرِّبَا يَجْرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ جَرَيَانَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ إنَّمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَمَّا بَيْنَ الْحَرْبِيِّينَ وَبَيْنَ مُسْلِمِينَ لَمْ يُهَاجِرُوا أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَا رِبَا، وَقَالَ: إنَّ الذِّمِّيَّيْنِ إذَا تَعَاقَدَا عَقْدَ الرِّبَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فُسِخَ عَلَيْهِمَا، فَالِاعْتِبَارُ عِنْدَهُ بِالدَّارِ وَعِنْدَنَا الِاعْتِبَارُ بِالْعَاقِدِ، فَإِذَا أَرْبَى الَّذِي فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَعَ الذِّمِّيِّ لَمْ يُفْسَخْ، كَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ، قَالَ: وَهَكَذَا سَائِرُ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه بِحَدِيثِ مَكْحُولٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا رِبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ"وَبِأَنَّ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحَةٌ لِلْمُسْلِمِ بِغَيْرِ عَقْدٍ، فَالْعَقْدُ أَوْلَى، وَدَلِيلُنَا عُمُومُ الْأَدِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ لِلرِّبَا، فَلِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الشِّرْكِ، كَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الْعُقُودُ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ.
قلت: وَهَذَا الِاسْتِدْلَال إنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُوَافِقُ عَلَى فَسَادِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا دَلِيلَ عِنْدَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ مَكْحُولٍ فَمُرْسَلٌ إنْ صَحَّ الْإِسْنَادُ إلَى مَكْحُولٍ، ثُمَّ هُوَ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يَكُونَ نَهْيًا، فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِهِ تَحْرِيمَ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ كَمَا بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاعْتُضِدَ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِالْعُمُومَاتِ، وَأَمَّا اسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ إذَا دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَمَمْنُوعَةٌ، فَكَذَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَلَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُ الْأَمَانِ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ يُسْتَبَاحُ مَالُهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا يُسْتَبَاحُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ لَيْسَ كُلُّ مَا اُسْتُبِيحَ بِغَيْرِ عَقْدٍ اُسْتُبِيحَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، كَالْفُرُوجِ تُسْتَبَاحُ بِالسَّبْيِ، وَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا رِبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ فَإِنَّ الْحَجَّاجَ1 بْنَ غِلَاطٍ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عِنْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَاجْتَمَعَ بِهِ فِي الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ الْمَشْهُورَةِ دَلَّ كَلَامُ الْعَبَّاسِ عَلَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ حِينَئِذٍ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الرِّبَا الَّذِي مِنْ بَعْدِ إسْلَامِهِ إلَى فَتْحِ مَكَّةَ، فَلَوْ كَانَ الرِّبَا الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ مَوْضُوعًا لَكَانَ رِبَا الْعَبَّاسِ مَوْضُوعًا يَوْمَ أَسْلَمَ.
والجواب: أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ لَهُ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ قَبْلِ إسْلَامِهِ فَيَكْفِي حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ ثَمَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل فحرر. (ط)