ج / 10 ص -241- ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْبُسْتَانِ إلَّا بِعَرَضٍ أَوْ نَقْدٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ: يَجُوزُ، وَقَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ نَسِيئَةً وَزَادَ حَتَّى قَالَ: لَا يَجُوزُ نَقْدًا عَلَى مَا حُكِيَ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا لَا تَبْقَى صُورَةٌ فِي الْعَرَايَا يَحْصُلُ فِيهَا اتِّفَاقٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ لِأَنَّ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ نُجِيزُهُ نَحْنُ نَقْدًا وَلَا نُجِيزُهُ نَسِيئًا، وَهُوَ لَا يُجِيزُهُ وَيُجِيزُهُ نَسْئًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَجَوَّزَ شِرَاءَهَا لِمُعْرِيهَا وَلِوَرَثَتِهِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَهُ شِرَاءُ ثَمَرَةِ نَخْلَةٍ أَصْلُهَا لِغَيْرِهِ فِي حَائِطِهِ، قَالَ: وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ وَلَكِنَّهُ مَوْضِعُ تَخْفِيفٍ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ جَبْرًا، وَيُجْرِيهِ مَجْرَى الشُّفْعَةِ خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ.
وَاخْتَلَفَتْ الْمَالِكِيَّةُ فِي عِلَّةِ الْجَوَابِ فِي مَنْعِهَا مِنْ الْمُعْرَى فَقِيلَ: لِوَجْهَيْنِ، إمَّا لِدَفْعِ ضَرَرِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ أَوْ لِمِرْفَقٍ فِي الْكِفَايَةِ وَقَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ رحمه الله: لَا يَجُوزُ إلَّا لِدَفْعِ الضَّرَرِ خَاصَّةً، وَأَنَّهُ إذَا أَعْرَى خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَ عَرِيَّتِهِ لِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي أُرْخِصَ بِهِ قَائِمٌ، قَالَهُ فِي تَهْذِيبِهِمْ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ: وَوَافَقْنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي جُمْلَةِ قَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ثُمَّ عَادَ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ إلَّا مِنْ صَاحِبِهَا الَّذِي أَعْرَاهَا إذَا تَأَذَّى بِدُخُولِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ بِتَمْرٍ إلَى الْجَذَاذِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: كَمَا عَلَيْهِ أَجَلُهَا فَتَحِلُّ لِكُلِّ مُشْتَرٍ وَلَا أُحَرِّمُهَا فَنَقُولُ قَوْلَ مَنْ حَرَّمَهَا، وَزَادَ فَقَالَ: تُبَاعُ بِتَمْرٍ نَسِيئَةً، وَالنَّسِيئَةُ عِنْدَهُ فِي الطَّعَامِ حَرَامٌ، وَزَادَ أَنَّ أَجَلَهَا إلَى الْجَذَاذِ فَجَعَلَ الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ وَإِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لِأَنَّ الْجَذَاذَ مَجْهُولٌ.
وَاحْتَجَّ الْمُنْتَصِرُونَ لِمَالِكٍ رحمه الله فِي تَفْسِيرِ الْعَرِيَّةِ بِذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ:"كَانَتْ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ يَزِيدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ الْعَرَايَا: نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا بِمَا شَاءُوا مِنْ التَّمْرِ، وَبِشِعْرِ شَاعِرِ الْأَنْصَارِ الْمُتَقَدِّمِ.
قلت: وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُمْ مَا هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ فَمِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ:"رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعَرَايَا النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ يُوهَبَانِ لِلرَّجُلِ فَيَبِيعُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا"وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ أَنَّ الْوَاهِبَ هُوَ الَّذِي يَبْتَاعُ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيَشْهَدُ لِتَأْوِيلِ مَالِكٍ أَمْرَانِ أحدهما: أَنَّ الْعَرِيَّةَ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُتَدَاوَلَةٌ بَيْنَهُمْ وَقَدْ نَقَلَهَا مَالِكٌ هَكَذَا والثاني: قَوْلُهُ:"رُخِّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا"فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِهِ بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ، وَهِيَ الْهِبَةُ الْوَاقِعَةُ.
قلت: أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَحَدِ شُيُوخِ مَالِكٍ، وَهُوَ أَيْضًا مَدَنِيٌّ عَالِمٌ. فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ تَمْرَ النَّخَلَاتِ بِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا، وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ الْهِبَةَ هِيَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ مُخْتَصَّةٌ بِمُشْتَرِي الْعَرِيَّةِ لَا بِبَائِعِهَا، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: رُخِّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا قَالَ أَنْ يَبِيعَهَا وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدْفَعُ قَوْلَنَا، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَرِيَّةَ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ حَاصِلٌ فِيهَا وَهُوَ كَوْنُهَا مُفْرَدَةً وَأَكْثَرُ