فهرس الكتاب

الصفحة 3549 من 4102

ج / 10 ص -240- زَيْدٍ، لِأَنَّهُ تَكُونُ الرُّخْصَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنَةً لِلْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ أَعَادَ الشَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْأُمِّ فِي بَابِ بَيْعِ الرَّطْبِ مِنْ الطَّعَامِ بِالْيَابِسِ، وَجَزَمَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُزَابَنَةَ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَالْعَرَايَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَهْيهِ، يَعْنِي لَمْ تَدْخُلْ فِي الْإِرَادَةِ، وَجَزَمَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَأَنَّ الزَّائِدَ مَنَعَهُ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَالتَّوْقِيتِ فِيهِ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُزَابَنَةِ لَكَانَ مَذْهَبًا يَصِحُّ عِنْدَنَا.

وَاعْتَلَّتْ الْحَنَفِيَّةُ بِأُمُورٍ منها: حَمْلُ الْعَرِيَّةِ عَلَى الْهِبَةِ كَمَا هُوَ التَّفْسِيرُ الثَّانِي الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ شِعْرُ شَاعِرِ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: فَكَأَنَّهُ رَخَّصَ لِمَنْ وَهَبَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ لِرَجُلٍ وَلَمْ يَقْبِضْ أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضَ ذَلِكَ تَمْرًا، وَيَرْجِعُ فِيهَا، وَسَمَّاهُ بَيْعًا لِأَنَّ مَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ التَّمْرِ كَالْعِوَضِ عَمَّا وَهَبَ بِهِ، فَتُحْمَلُ الْعَرِيَّةُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْبَيْعُ عَلَى الْمَجَازِ، وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا فِي الرُّخْصَةِ، فَقِيلَ: إنَّهَا عَائِدَةٌ إلَى الْمُعْرِي لِأَنَّهُ وَعَدَ فَأَخْلَفَ قَالَ الدَّيْنِينِيُّ الْحَنَفِيُّ: يُعْزَى ذَلِكَ إلَى عِيسَى بْنِ أَبَانَ، وَقِيلَ: إنَّهَا عَائِدَةٌ إلَى الْمُعْرَى، لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ عَمَّا لَمْ يَمْلِكْهُ، قَالُوا: وَأَنْتُمْ تَحْمِلُونَ الْبَيْعَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْعَرِيَّةَ عَلَى الْمَجَازِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْعَرِيَّةِ تَفْسِيرَيْنِ، فَلَا مَجَازَ، وَلَوْ سَلَّمَ لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي النُّكَتِ لِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ الْبَيْعُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى أَيْضًا بَيْعًا.

والثاني: أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ حَظْرٍ وَالْحَظْرُ فِي الْبَيْعِ لَا فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.

والثالث: أَنَّهُ قُدِّرَ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَمَا قَالُوهُ لَا يَخْتَصُّ.

والرابع: مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ بِالْخَرْصِ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ فَعَلَى النَّخْلِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْغَرَرِ.

وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ فِي النُّكَتِ بِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَفِي الْأَرْضِ لَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْكُلَ الرُّطَبَ مَعَ النَّاسِ، وَقَدْ يَجُوزُ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَمَا لَا يَجُوزُ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، كَمَا قَالَ فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ: يَجُوزُ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ، وَلَا يَجُوزُ الْحَالُّ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ، وَقَالَ الشَّيْخُ:"وَلِأَنَّ فِي الْأَرْضِ لَمْ يُجْعَلْ الْخَرْصُ طَرِيقًا لِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ، وَفِي الشَّجَرِ جُعِلَ الْخَرْصُ طَرِيقَةً لِمَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ، وَيُعْرَفُ مِنْهَا التَّسَاوِي فِي حَالِ الِادِّخَارِ"وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَائِلٌ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فِي الْأَرْضِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ، وَسَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَيُبْطِلُهُ اسْتِثْنَاؤُهَا مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْخَرْصِ وَاعْتَلُّوا أَيْضًا بِأُمُورٍ أُخَرَ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَا.

وَأَمَّا مَالِكٌ رحمه الله تعالى فَهُوَ - وَإِنْ وَافَقَ عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ - يُفَسِّرُ الْعَرَايَا بِتَفْسِيرٍ أَخَصَّ مِمَّا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ تَمْرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخْلَاتٍ ثُمَّ يَتَضَرَّرُ بِمُدَاخَلَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَيَشْتَرِيهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا، وَهَذِهِ الصُّورَةُ عِنْدَنَا مِنْ جُمْلَةِ الْعَرَايَا، لَكِنَّ الْخِلَافَ مَعَهُ فِي قَصْرِهَا عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت