فهرس الكتاب

الصفحة 3551 من 4102

ج / 10 ص -242- مَا كَانَ يَقَعُ الْإِفْرَادُ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَلِذَلِكَ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ مُعْرِيهَا بَلْ أَطْلَقَ فَيَبْقَى عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا"فَقَوْلُهُ: أَهْلُ الْبَيْتِ مُطْلَقٌ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِبَيْعِهَا مِنْ الْمُعْرِي، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الْبَيْعِ مُطْلَقًا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا يَضُرُّنَا أَنْ نُسَلِّمَ أَنَّ أَصْحَابَ الْعَرَايَا هُمْ الَّذِينَ وُهِبَتْ لَهُمْ النَّخَلَاتُ وَوَرَدَتْ الرُّخْصَةُ لَهُمْ فِي الْبَيْعِ.

فَإِنْ قُلْتَ: فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ الرُّخْصَةُ لِلْبَائِعِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الرُّخْصَةَ لِلْمُشْتَرِي الَّذِي لَا نَقْدَ بِيَدِهِ، رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرُّطَبَ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ بِالتَّمْرِقلت:الرُّخْصَةُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَخَّصَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ كَذَلِكَ، وَرَخَّصَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ، لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَسَبَبُ الرُّخْصَةِ فِي حَقِّهِ أَمْرَانِ:

أَحَدُهُمَا: حَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي لَا رُطَبَ عِنْدَهُ أَعْنِي الَّذِي تَقْتَضِي الْعَادَةُ أَنَّهُ يَطْلُبُ شِرَاءَ الرُّطَبِ وَيُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا".

والثاني: أَنَّ أَصْحَابَ الْعَرَايَا هُمْ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ وُهِبَتْ مِنْهُمْ، وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْحَاجَةُ، وَقَدْ لَا تَصْبِرُ النَّفْسُ عَلَى أَكْلِ الرُّطَبِ دَائِمًا، وَتَطْلُبُ التَّمْرَ الَّذِي هُوَ الْقُوتُ الْمُعْتَادُ عِنْدَهُمْ، وَلَا كَذَلِكَ أَصْحَابُ النَّخِيلِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ جُمْلَةً وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْغِنَى عَنْ شِرَاءِ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ مَعًا، فَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَرَدَتْ الرُّخْصَةُ فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْعَرَايَا لِأَنَّهُمْ مَظِنَّةُ الْبَيْعِ، لَا لِأَنَّ فِيهِمْ مَعْنًى مُصَحِّحًا لِلْبَيْعِ لَيْسَ فِي غَيْرِهِمْ، فَأَصْحَابُ الْعَرَايَا هُمْ الْبَائِعُونَ. وَالْمُشْتَرَى لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِيهِ تَقْيِيدٌ إلَّا فِي حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ زَيْدٍ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَاوِيجِ، وَلَيْسَ أُولَئِكَ بِمَقْصُودِينَ بِأَصْحَابِ الْعَرَايَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِمَّا يَبْعُدُ مَا ذَهَبَتْ إلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ ضَرَرِ الْمُدَاخَلَةِ لَمْ تَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَمَا فَوْقَهَا، وَقَدْ سَلَّمَتْ الْمَالِكِيَّةُ اخْتِصَاصَهَا بِالْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيُّ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ كَوْنَ الْعَرِيَّةِ مَوْهُوبَةً مِنْ بَائِعِهَا، كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَالظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ جَمَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مُرَجِّحَاتِ الْمَذْهَبِ فِي خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: اسْتِثْنَاؤُهَا عَنْ الْمُزَابَنَةِ، وَإِثْبَاتُهَا بِلَفْظِ الرُّخْصَةِ الْمُشْعِرِ بِتَقَدُّمِ الْحَظْرِ، وَبِلَفْظِ الْبَيْعِ الْمُقْتَضِي عِوَضَهَا، وَاعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ بِالْخَرْصِ، وَتَقْدِيرُهَا بِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ، وَبَسْطُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.

قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّنَّةِ وَلَا قِيَاسَ فِيهَا يُتَعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَفَادَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّصْوِيرِ شُرُوطًا كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ:

أحدها: أَنْ يَخْرُصَ مَا عَلَى النَّخِيلِ مِنْ الرُّطَبِ، أَيْ رُطَبًا، وَيَخْرِصُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ إذَا جَفَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت