فهرس الكتاب

الصفحة 3547 من 4102

ج / 10 ص -238- وَالرُّخْصَةُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ؛ وَقَدْ ذَكَرُوا فِي حَدِّهَا عِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةً أَحْسَنُهَا: الْإِطْلَاقُ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ لِغَرَضِ التَّوْسِيعِ، فَقَوْلُنَا: الْإِطْلَاقُ نُرِيدُ بِهِ إبَاحَةَ الْأَقْدَامِ الَّتِي تَشْتَمِلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ، وَقَوْلُنَا: مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ احْتِرَازٌ مِنْ قَتْلِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَشِبْهِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ شُرِّعَ مَعَ الْإِسْلَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَا يُسَمَّى، رُخْصَةً، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: فِي حَالِ حُرِّيَّتِهِ، احْتِرَازٌ مِنْ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَمُ وَالْإِجَارَةُ، وَمَا أَشْبَهُهُمَا.

ثُمَّ الرُّخْصَةُ قَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا الضَّرُورَةُ كَأَكْلِ الْمُضْطَرِّ الْمَيْتَةَ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا الْحَاجَةُ كَالْعَرَايَا، فَلَمَّا كَانَ الدَّلِيلُ قَائِمًا عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ. وَوَرَدَتْ الْعَرَايَا عَلَى خِلَافِهِ، سُمِّيَ ذَلِكَ رُخْصَةً، وَالْخِرْصُ بِكَسْرِ الْخَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ فَارِسٍ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَخْرُوصُ وَأَمَّا الْخَرْصُ بِالْفَتْحِ فَهُوَ الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْحَزْرُ يُقَالُ خَرَصَ الْعَبْدَ يَخْرِصُهُ وَيَخْرُصُهُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ خَرْصًا وَخِرْصًا بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ حَزَرَهُ قَالَهُ ابْنُ سِيدَهْ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ: الْخَرْصُ الْمَصْدَرُ وَالْخِرْصُ الِاسْمُ، وَالْخِرَاصُ الْحَزَارُ.

وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الشَّامِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَدَاوُد وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، كُلُّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَجَعَلُوهُ مُسْتَثْنًى مِنْ جِهَةِ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَعَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَلِمَالِكٍ رحمه الله تعالى فِي ذَلِكَ بَعْضُ مُخَالَفَةٍ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي الْجُزْءِ السَّادِسَ1 عَشَرَ مِنْ الْأُمِّ:"خَالَفُونَا مَعًا فِي الْعَرَايَا فَقَالُوا: لَا نُجِيزُ بَيْعَهَا وَقَالُوا: نَرُدُّ إجَازَةَ بَيْعِهَا بِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَنَهْيِهِ عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: فَقِيلَ لِبَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْهُمْ: فَإِنْ أَجَازَ إنْسَانٌ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ بِالْعَرَايَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَجَازَ بَيْعَ الْعَرَايَا قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، قُلْنَا: هَلْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ إلَّا كَهِيَ عَلَيْكُمْ فِي أَنْ يُطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيُحِلُّ مَا أَحَلَّ وَيُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ"وَبَحَثَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى فِي ذَلِكَ إلَى أَنْ قَالَ: قَالَ:"فَكَيْفَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: أُحِلُّ مَا أَحَلَّ مِنْ بَيْعِ الْعَرَايَا وَأُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ مِنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ، وَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ2 عَنْ الْعَرَايَا، وَأَزْعُمُ أَنْ لَمْ يُرِدْ"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 يوافق هذا هامش الجزء السابع من طبعة المطبعة الأميرية ويعد من توابع"الأم"وهو كتاب منفصل عن"الأم"بخطبته وديباجته وإسناده وأول خطبة هذا الكتاب:

الحمد لله بما هو أهله وكما ينبغي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله (أما بعد) فإن الله جل جلاله وضع رسوله موضع الإبانة كما افترض على خلقه في كتابه ثم في لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إلى آخر الخطبة (ط) .

2 نسخة"الأم": وبيع الرطب بالتمر سوى العرايا وأزعم أن لم يرد بما حرم الخ (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت