ج / 10 ص -237- الْمِنْحَةِ مِنْ الْغَنَمِ، يَمْنَحُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الشَّاةَ أَوْ الشَّاتَيْنِ وَأَكْثَرَ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا وَيَنْتَفِعَ بِهِ، وَلِلْمُعْرَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا وَيُتْمِرَهُ وَيَصْنَعَ فِيهِ مَا يَصْنَعُ فِي مَالِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلِكَهُ. وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ أَنْ يُعْرِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ حَائِطِهِ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا وَيُهْدِيَهُ وَيُتْمِرَهُ وَيَفْعَلَ فِيهِ مَا أَحَبَّ وَيَبِيعَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَمَرِ حَائِطِهِ فَتَكُونُ هَذِهِ مُفْرَدَةً مِنْ الْبَيْعِ مِنْهُ جُمْلَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُصَدِّقَ الْحَائِطِ يَأْمُرُ الْخَارِصَ أَنْ يَدَعَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ مِنْ حَائِطِهِمْ قَدْرَ مَا يَرَاهُمْ يَأْكُلُونَ، وَلَا يُخْرِجُهُ لِتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ، وَقِيلَ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَدَعَ مَا أَعْرَى الْمَسَاكِينَ مِنْهَا فَلَا يَخْرُصُهُ، وَهَذَا بِتَعْبِيرِهِ فِي كِتَابِ الْخَرْصِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ كَوْنِهِ يَتْرُكُ لِلْمَالِكِ نَخْلَةً أَوْ نَخْلَاتٍ يَأْكُلُهَا أَهْلُهُ، نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ قَوْلًا قَدِيمًا، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ هُنَاكَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي الْبُيُوعِ وَالْقَدِيمِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنُ سَلَّامٍ: الْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ يُعْرِيهَا صَاحِبُهَا رَجُلًا مُحْتَاجًا وَالْإِعْرَاءُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ثَمَرَةَ عَامِهَا، فَرُخِّصَ لِرَبِّ النَّخْلِ أَنْ يَبْتَاعَ ثَمَرَ تِلْكَ النَّخْلَةِ مِنْ الْمُعْرَى بِتَمْرٍ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ النَّخْلَةُ فِي وَسَطِ نَخْلٍ كَثِيرٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، فَيَدْخُلُ رَبُّ النَّخْلَةِ إلَى نَخْلَتِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ مَعَ صَاحِبِ النَّخْلِ الْكَثِيرِ أَهْلُهُ فِي النَّخْلِ، فَيُؤْذِيهِ بِدُخُولِهِ، فَرُخِّصَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ الْكَثِيرِ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرَ تِلْكَ النَّخْلَةِ مِنْ صَاحِبِهَا قَبْلَ أَنْ يَجُذَّهُ، بِتَمْرٍ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَجْوَدُ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ إعْرَاءٌ إنَّمَا هِيَ نَخْلَةٌ يَمْلِكُهَا رَبُّهَا، فَكَيْفَ تُسَمَّى عَرِيَّةً، وَمِمَّا يُعَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ شَاعِرِ الْأَنْصَارِ يَصِفُ النَّخْلَ:
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ وَلَا رَجَبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يَقُولُ: إنَّا نُعِيرُهَا النَّاسَ، وَالسَّنْهَاءُ الْخَفِيفَةُ الْحَمْلِ، وَالرَّجَبِيَّةُ الثَّقِيلَةُ الْحَمْلِ، الَّتِي قَدْ انْحَنَتْ مِنْ ثِقَلِ حَمْلِهَا، قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا بَعَثَ الْخُرَّاصَ قَالَ: خَفِّفُوا فِي الْخَرْصِ فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ وَالْوَصِيَّةَ"
قلت: وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ:"رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعَرَايَا، النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ تُوهَبَانِ لِلرَّجُلِ، فَيَبِيعُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا"لَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ أَنَّ الَّذِي يَبْتَاعُهَا هُوَ الْوَاهِبُ وَلَا أَنَّ ذَلِكَ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ، فَهَذَا أَوْلَى مَا يُعْتَمَدُ فِي تَفْسِيرِهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْعَرَايَا ثَلَاثَةٌ"مُوَاسَاةٌ"وَهِيَ مَا يُعْطَى لِلْمَسَاكِينِ وَذَلِكَ، سُنَّةٌ"وَمُحَابَاةٌ"وَهِيَ مَا يَتْرُكُهَا الْخَارِصُ لِمَنْ يُخْرَصُ نَخْلُهُ لِيَأْكُلَهَا، عِلْمًا أَنَّهُ سَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ عُشْرِهَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"وَإِذَا خَرَصْتُمْ فَدَعُوا لَهُمْ الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبْعَ"."وَالْمُرَاضَاةُ"اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه:"بَيْعُ الرُّطَبِ خَرْصًا عَلَى النَّخْلِ بِمَكِيلِهِ تَمْرًا عَلَى الْأَرْضِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ، مَعَ تَعْجِيلِ الْقَبْضِ"وَذَكَرَ مَذْهَبَ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنهما وَسَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.