ج / 10 ص -236- وَمِثْلُ هَدِيَّةٍ وَهَدَايَا - وَقَدْ قَالُوا فِي جَمْعِهِ أَيْضًا: هَدَاوَا - فَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ جَعَلُوا ذَلِكَ شَاذًّا وَالْأَخْفَشُ قَاسَ عَلَيْهِ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ مِنْهُ إلَّا هَذِهِ اللَّفْظَةُ، أَعْنِي هَدَاوَا فَلَمْ يَأْتِ مِثْلَ عَدَاوَى وَشِبْهِهِ، وَإِنَّمَا كُتِبَ بِالْيَاءِ كَحَنِيَّةٍ وَحَنَايَا، وَمَنِيَّةٍ وَمَنَايَا، قَالَ1 شَيْخُنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو حَيَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ حَيَّانَ الْأَنْدَلُسِيُّ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ: لَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ وَزْنَ هَذَا الْجَمْعِ كُلِّهِ فَعَالَى لَكَانَ مَذْهَبًا حَسَنًا بَعِيدًا مِنْ التَّكَلُّفِ، وَإِنَّمَا دَعَا النَّحْوِيِّينَ إلَى تِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ حَمْلُهُمْ جَمْعَ الْمُعْتَلِّ عَلَى الصَّحِيحِ، فَأَجْرَوْا ذَلِكَ مَجْرَى صَحِيفَةٍ، وَقَدْ تَكُونُ أَحْكَامٌ لِلْمُعْتَلِّ لَا لِلصَّحِيحِ، وَأَحْكَامٌ لِلصَّحِيحِ لَا لِلْمُعْتَلِّ، وَيُقَالُ: هُوَ عِرْوٌ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ خِلْوٌ مِنْهُ وَيُقَالُ لِسَاحِلِ الْبَحْرِ: الْعَرَاءُ لِأَنَّهُ خِلْوٌ مِنْ النَّبَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات:145] وَقِيلَ: بِمَعْنَى مَفْعُولِهِ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إذَا أَتَاهُ وَتَرَدَّدَ إلَيْهِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَتَرَدَّدُ إلَيْهَا وَيُقَالُ أَعْرَيْته النَّخْلَةَ أَيْ أَطْعَمَتْهُ ثَمَرَتَهَا يَعْرُوهَا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَمَا يُقَالُ: طَلَبَ إلَيَّ فَأَطْلَبْتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ الْهَرَوِيِّ وَجَوَّزَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فَاعِلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي تَكُونُ لَامُهَا وَاوًا، أَصْلُهَا عَرِيُّوهُ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ثُمَّ فَعَلَ بِجَمْعِهِ كَمَا فَعَلَ بِهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ إلَّا أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ كَمَطِيَّةٍ لَا كَهَدِيَّةٍ، وَهَذَا الْوَزْنُ مَتَى كَانَتْ لَامُهُ وَاوًا اعْتَلَتْ فِي الْمُفْرَدِ كَانَ حُكْمُهُ مَا لَامُهُ يَاءٌ. بِخِلَافِ الَّذِي لَامُهُ وَاوٌ صَحَّتْ فِي الْمُفْرَدِ فَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمُرَادُ بِهَا هُنَا فَعِنْدَنَا هُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْعَرَايَا نَوْعٌ مِنْ الْمُزَابَنَةِ رُخِّصَ فِيهِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْأَزْهَرِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ بَيْعُ التَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، رَخْصٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمُزَابَنَةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ"وَهُوَ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فَيَقُولُ لَهُ: بِعْنِي مِنْ حَائِطِكَ ثَلَاثَ نَخْلَاتٍ بِأَعْيَانِهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ، فَيَبِيعُهُ إيَّاهَا وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ، وَيُسَلِّمُ إلَيْهِ النَّخَلَاتِ يَأْكُلُهَا وَيُتْمِرُهَا.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي الْأُمِّ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ فِي بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا بَعْدَ مَا ذَكَرَ أَحْكَامَ الْعَرَايَا بِالتَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ: وَالْعَرَايَا ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ هَذَا الَّذِي وَصَفْنَا أَحَدُهَا، وَجِمَاعُ الْعَرَايَا كُلُّ مَا أُفْرِدَ لِيَأْكُلَهُ خَاصَّةً، وَلَمْ يَكُنْ فِي جُمْلَةِ الْبَيْعِ مِنْ ثَمَرِ الْحَائِطِ إذَا بِيعَتْ جُمْلَةٌ مِنْ وَاحِدٍ. وَالصِّنْفُ الثَّانِي أَنْ يَخُصَّ رَبُّ الْحَائِطِ الْقَوْمَ فَيُعْطِي الرَّجُلَ ثَمَرَ النَّخْلَةِ وَثَمَرَ النَّخْلَتَيْنِ وَأَكْثَرَ، هَدِيَّةً يَأْكُلُهَا، وَهَذِهِ فِي مَعْنَى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الإمام أثير الدين أبو حيان الأندلسي الغناطي النفزي نسبة إلى نفزه قبيلة من البربر ولد في آخر شوال سنة 654 سمع الحديث بالأندلس وأفريقية (تونس) أخذ عنه أكابر عصره وتقدموا في حياته كالشيخ تقي الدين السبكي وكان يعظم ابن تيمية ثم وقع بينهما مسألة نقل فيها أبو حيان شيئا عن سيبويه فقال ابن تيمية: وسيبويه كان نبي النحو!! لقد أخطأ سيبويه في ثلاثين موضعا من كتابه فأعرض عنه أبو حيان ورماه في تفسيره"النهر"بكل سوء (بغية الوعاة) .