فهرس الكتاب

الصفحة 3537 من 4102

ج / 10 ص -229- أما لَوْ وَصَلَ إلَى حَالَةٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَصْلًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ إلَّا الْقَوْلَانِ الْأَصْلِيَّانِ أَنْ يُبَاعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَوْ لَا يُبَاعُ أَصْلًا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْفَوَاكِهِ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ:

الأول: وَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ إلَى الرَّابِعِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا، وَالْفَارِقُ مَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ الرُّطَبَ لَمْ يُعْتَدْ فِيهِ الْجَفَافُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُعْتَادٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، وَكَتَبَ هُنَاكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ جَزَمُوا بِالْجَوَازِ فِي حَالَةِ الْجَفَافِوأما: هُنَا فِي الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ فَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا الْفَرْعِ غَيْرَ الْإِمَامِ وَعُذْرُهُمْ فِي السُّكُوتِ عَنْهُ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي رُطَبٍ لَا يَصِيرُ تَمْرًا، فَإِنْ فُرِضَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ الرُّطَبَ يَيْبَسُ، وَصَارَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ تُقَابَلُ بِالْأَعْوَاضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَإِنْ مَنَعْنَا بَيْعَ رَطْبِهِ بِرَطْبِهِ لِانْتِفَاءِ النُّقْصَانِ الَّذِي أَشَارَ الْحَدِيثُ إلَى أَنَّهُ عِلَّةُ الْمَنْعِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: بَيْعُ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ بِالرُّطَبِ الَّذِي يَصِيرُ تَمْرًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الرُّمَّانِ الْحُلْوِ بِالْحَامِضِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: فِيهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى بَيْعِ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ بِمِثْلِهِ إن قلنا: هُنَاكَ لَا يَجُوزُ فَهَاهُنَا أَوْلَى وإن قلنا: يَجُوزُ فَهَهُنَا وَجْهَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِأَحَدِهِمَا حَالَةَ الْكَمَالِ هَاهُنَا، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَسْتَوِيَا فِي أَكْمَلِ حَالَتَيْهِمَا بِخِلَافِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ إذَا بِيعَ بِمِثْلِهِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمِنْ ذَلِكَ يَحْصُلُ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ بِالرُّطَبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا: يَجُوزُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَجُوزُ بِمَا يَتَتَمَّرُ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُفَرَّعٌ عَلَى غَيْرِ رَأْيِ الْمُزَنِيِّ الَّذِي اخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ الرُّطَبَ بِالرُّطَبِ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: بَيْعُ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ بِالتَّمْرِ، هَلْ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ أَوْ لَا؟ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي الْفَوَاكِهِ وَأَنَّ بَيْعَ حَبِّ الرُّمَّانِ بِالرُّمَّانِ غَيْرُ جَائِزٍ قَوْلًا وَاحِدًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ الْمَذْكُورِ بِالتَّمْرِ قَوْلًا وَاحِدًا أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَئِمَّتُنَا فِي مَنْعِ بَيْعِ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يُجَفَّفُ بِالتَّمْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ كَلَامِهِمْ وَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ فِيهِ نَصًّا، وَرَأْيِي أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي تَجْوِيزَهُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ إذَا كَانَ لَا يُجَفَّفُ، وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَجَعَلَهُ مُنْقَدِحًا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الرَّطْبَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَائِلِ حَاصِلَةٌ، وَلَا كَمَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَجَازَ بَيْعُهُ وَأَمَّا الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ فَلَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ فِي الرُّطَبِ مَائِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي التَّمْرِ، فَيَحْصُلُ التَّفَاوُتُ قَطْعًا مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ: سَمِعْتُ فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ رُطَبِهِ بِالتَّمْرِ. وَتَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَتَتَمَّرُ وَكَانَ كَمَالُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ صَارَ بِمَنْزِلَةِ التَّمْرِ، فَإِذَا جَازَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ لِأَنَّهُ حَالَةُ كَمَالِهَا جَازَ بَيْعُ هَذَا الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، لِأَنَّهُ حَالَةُ كَمَالِهَا، وَذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ الْمُتَقَدِّمِ يُشْعِرُ بِالْخِلَافِ الَّذِي حَكَاهُ. قلت: أَمَّا كَلَامُ الْإِمَامِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا أَبْدَاهُ مِنْ الْقِيَاسِ عِنْدَهُ وأما: مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّوْجِيهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ جَوَابٌ عَنْهُ. وَلَا يَنْهَضُ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَصَّصُ نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت