فهرس الكتاب

الصفحة 3536 من 4102

ج / 10 ص -228- نِسْبَةَ الْعِمْرَانِيِّ الطَّرِيقَةَ الْقَاطِعَةَ إلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَظَهَرَ لَك أَنَّ طَرِيقَةَ الْخِلَافِ أَشْهَرُ، وَهِيَ أَيْضًا أَظْهَرُ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمُقْتَضِي لِإِلْحَاقِ ذَلِكَ بِالْفَوَاكِهِ أَقْوَى مِنْ الْفَارِقِ الَّذِي ذَكَرَ لِلَّتِي قَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي الْفَوَاكِهِ عَلَى الْجَوَازِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ، بَلْ هُوَ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَةِ الْجَفَافِ، وَنُصُوصُهُ عَلَى الْمَنْعِ هُنَاكَ وَهُنَا صَرِيحَةٌ لَا تَحْتَمِلُ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَنْعَ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ، وَهُوَ مُقْتَضَى إيرَادِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْجَوَازَ، مِنْهُمْ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ وَالْمُرْشِدِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّهُ الْقِيَاسُ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدِي وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ صَحَّحَ قَوْلَ الْمَنْعِ هُنَاكَ فَهُوَ مُصَحِّحٌ لَهُ هُنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَذِكْرُ مَنْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَيْضًا.

وَهَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هَؤُلَاءِ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ الصَّرِيحِ كَمَا عَلِمْتَ وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ أَيْضًا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ بِالثَّمَرَةِ"وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَضْبُوطٌ هَكَذَا بِالْهَاءِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالثَّمَرَةُ اسْمٌ عَامٌّ يَشْمَلُ مَا لَهُ جَفَافٌ وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ، يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، كَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ.

قَوْلُهُ:"إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ"وَيَبْقَى فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ، وَأَيْضًا الْوَصْفُ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً وَهُوَ قَوْلُهُ"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟"وَلَا شَكَّ أَنَّ النُّقْصَانَ مَوْجُودٌ فِيمَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَفِيمَا لَا يَجِيءُ مِنْهُ، وَذَلِكَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّسَاوِي فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ.

وَأَمَّا كَوْنُنَا نَتَحَيَّزُ إلَى التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ إلَى أَشْرَفِ حَالَاتِهِ وَأَكْمَلِهَا وَهُوَ حَالَةُ الْجَفَافِ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِيمَا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ، فَهُوَ - وَإِنْ كَانَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ - لَكِنَّهُ - عَلَى مُعَارَضَةِ الظَّاهِرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْعُمُومِ وَمِنْ الْوَصْفِ الَّذِي جُعِلَ عِلَّةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

التفريع: لَوْ جُفِّفَ هَذَا النَّوْعُ عَلَى نُدُورٍ إن قلنا: بِالْجَوَازِ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ فَهَلْ يَجُوزُ أَيْضًا فِي حَالِ الْجَفَافِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الرُّطُوبَةَ فِي هَذَا النَّوْعِ هِيَ الْكَمَالُ وَالْجَفَافُ غَيْرُ مُعْتَادٍ أَصْلًا وإن قلنا: بِالْمَنْعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَفِي حَالِ الْجَفَافِ أَيْضًا وَجْهَانِ أحدهما: الْمَنْعُ. فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهُ حَالَةُ كَمَالٍ. وَالْبَيْعُ الَّذِي نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ نَعْتَمِدُ حَالَةَ الْكَمَالِ، فَبِإِمْكَانِ الْجَافِّ وَجَرَيَانِهِ أَخْرَجَ حَالَةَ الرُّطُوبَةِ عَنْ الْكَمَالِ وَعَدَمُ عُمُومِ ذَلِكَ أَخْرَجَ حَالَةَ الْيُبُوسَةِ عَنْ الْكَمَالِ وَكُلٌّ مِنْ الْخِلَافَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، يَعْنِي الْمَنْعَ رَطْبًا وَيَابِسًا وَالْجَوَازَ رَطْبًا وَيَابِسًا.

قَالَ فِي الْغَايَةِ مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالْمَنْعُ رَطْبًا فَقَطْ، وَعَكْسُهُ، لَكِنَّهُ فَرَضَهَا فِي الرَّطْبِ الَّذِي لَوْ جُفِّفَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ انْتِفَاعٌ يُحْتَفَلُ بِهِ، فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصُورَةِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقِلَّ مَنْفَعَتُهُ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا يُحْتَفَلُ بِهَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت