ج / 10 ص -227- كُلِّ نَوْعٍ مُلْحَقٌ بِغَالِبِهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُغَايِرًا لَهَا وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي إلْحَاقِهِ بِهَا عَلَى طَرِيقَيْنِ:
أحدهما: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ صَرِيحًا لِأَنَّ الرُّطَبَ الَّذِي لَا يَعُودُ تَمْرًا بِحَالٍ لَا يُبَاعُ مِنْهُ شَيْءٌ بِشَيْءٍ مِنْ صِنْفِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ ذَلِكَ، وَنَسَبَ الْعِمْرَانِيُّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَنَسَبَهَا صَاحِبُ الْمُجَرَّدِ مِنْ تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَقُول: إنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمُجَرَّدِ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَزْنًا وَلَا كَيْلًا لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَرْوَزِيِّ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي سَائِرِ الْفَوَاكِهِ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ؛ وَقَالَ: هُوَ أَسْوَأُ حَالًا فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، صَرَّحُوا بِحِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إنَّ الْمَنْعَ هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ فِي الْأُمِّ وَأَعَادُوا الْمَسْأَلَةَ هُنَا، فَنَسَبَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ إلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَنَسَبَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَى حِكَايَةِ الْأَصْحَابِ.
وَنَسَبَ الْجُورِيُّ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ وَفِي الْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْفَاكِهَةِ الَّتِي لَا تَصِيرُ إلَى حَالَةِ الْجَفَافِ وَالْبُقُولِ إلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصٍ فَأَفَادَ زِيَادَةَ ابْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ وَأَبْعَدَ فِي جَعْلِ الْقَوْلَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ. فَإِنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مَنْصُوصَانِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمَنْعِ هُنَا وَالْمَاوَرْدِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ أَنَّهُ جَعَلَ الْجَوَازَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَقَالَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ وَيُخَرِّجُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ مَسْأَلَةَ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَصِيرُ تَمْرًا بِخُصُوصِهَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ. وَجَعَلَ الْجَوَازَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبْطَلَهُ.
وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ النُّقُولُ يَصِحُّ نِسْبَةُ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ إلَى ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سَلَمَةَ وَابْنِ الْوَكِيلِ وَلَعَلَّ ابْنَ سُرَيْجٍ خَرَّجَ ذَلِكَ وَاخْتَارَهُ، فَيَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِ وَإِلَى تَخْرِيجِهِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ مَا لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ. وَمَسْأَلَةَ الرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ بَلْ أَطْلَقُوا الْكَلَامَ إطْلَاقًا يَشْمَلُهَا وَأَغْرَبَ ابْنُ دَاوُد فَحَكَى أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ. وَحَكَى وَجْهَ الْجَوَازِ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إلَى أَحَدٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إيرَادُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ فِي ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ هَذَا مَا فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِ، وَأَمَّا الْخُرَاسَانِيُّونَ فَجُمْهُورُهُمْ أَيْضًا مُطَبِّقُونَ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الطَّرِيقَةِ الْقَاطِعَةِ، وَعَبَّرُوا عَنْ الْخِلَافِ بِالْوَجْهَيْنِ، مِمَّنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ وَالْغَزَالِيُّ. وَوَافَقَهُمْ ابْنُ دَاوُد شَارِحُ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ. وَالرَّافِعِيُّ سَلَكَ طَرِيقَةَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي حِكَايَتِهِمَا قَوْلَيْنِ، وَلَمْ يَحْكِ الطَّرِيقَةَ الْقَاطِعَةَ وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى ذَلِكَ اسْتَبْعَدْت