ج / 1 ص -221- َقَوْلِهِ تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29] وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ الْجَمِيعَ، وَقِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ فِي قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] وَيَجِبُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمَسْحَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، فَهَذَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ وَيَمْنَعُ التَّقْدِيرَ بِالرُّبْعِ وَالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ فَإِنَّ النَّاصِيَةَ دُونَ الرُّبْعِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْأَسَالِيبِ فِي الْخِلَافِ أَنَّ الْمَسْحَ إذَا أُطْلِقَ فَالْمَفْهُومُ مَعَهُ الْمَسْحُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ لِلِاسْتِيعَابِ، وَانْضَمَّ إلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ النَّاصِيَةَ وَحْدَهَا. وَلَمْ يَخُصَّ أَحَدٌ النَّاصِيَةَ، وَمَنَعَ جَوَازَ قَدْرِهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ مُطْلَقِ الْمَسْحِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا هُنَا لِلْإِلْصَاقِ بَلْ هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إذَا دَخَلَتْ الْبَاءُ عَلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ كَانَتْ لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِ {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فَلِلْإِلْصَاقِ كَقَوْلِهِ تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ} [الحج:29] قَالَ أَصْحَابُنَا: وَعَلَى هَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ. فَيَكُونُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ كُلَّ الرَّأْسِ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِفَضِيلَتِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْبَعْضِ فِي وَقْتٍ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى التَّيَمُّمِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ الِاسْتِيعَابُ وَفِي الرَّأْسِ الْبَعْضُ. الثاني: فَرَّقَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: مَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حُكْمُ لَفْظِهِ، وَالتَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْوَجْهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حُكْمُ مُبْدَلِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْفَرْقُ فَاسِدٌ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ الْخُفِّ بِالْمَسْحِ لَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحدهما:"الإجماع"عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ. الثاني: أَنَّهُ يُفْسِدُ الْخُفَّ مَعَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ وَمَنْ وَافَقَهُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَسْحُ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ كَالْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ فَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْحَلْقِ الشَّعْرُ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: مُحَلِّقِينَ شَعْرَ رُءُوسِكُمْ، وَالشَّعْرُ إمَّا جَمْعٌ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَإِمَّا اسْمُ جِنْسٍ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنُوطٍ بِالشَّعْرِ، وَاسْمُ الْمَسْحِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَهَذَا الْفَرْقُ مَشْهُورُ، وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَضْعِيفِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ غَلَطٌ، لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ قَدْ سَقَطَ وَبَطَلَ التَّقْدِيرُ فَتَعَيَّنَ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَلْ يَخْتَصُّ قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ بِمَا إذَا مَسَحَ الشَّعْرَ ؟ أَمْ يُجْزِي فِي مَسْحِ الْبَشَرَةِ وَيُشْتَرَطُ مَسْحُ قَدْرِ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ ؟ فِي كَلَامِ النَّقَلَةِ مَا يُشْعِرُ بِالِاحْتِمَالَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ فَيَأْخُذَ الْمَاءَ بِكَفَّيْهِ ثُمَّ يُرْسِلَهُ ثُمَّ يُلْصِقَ طَرَفَ سَبَّابَتِهِ بِطَرَفِ سَبَّابَتِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَضَعَهُمَا عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَيَضَعَ إبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَذْهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنه وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ"وَلِأَنَّ مَنَابِتَ شَعْرِ الرَّأْسِ مُخْتَلِفَةً فَفِي ذَهَابِهِ".