ج / 1 ص -220- نَقَلْته. وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ نَصَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ بِحُرُوفِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ بِالصُّدْغِ هُنَا الْعِذَارَ. قُلْت: وَهَذَا تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ سَبَبَ هَذَا الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي تَحْقِيقِ ضَبْطِ الصُّدْغِ وَتَحْدِيدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنها قَالَتْ:"رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَأَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً"
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَالْوَاجِبُ مِنْهُ أَنْ يَمْسَحَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ وَإِنْ قَلَّ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ: أَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتِ كَمَا نَقُولُ فِي الْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى: أَمَرَ بِالْمَسْحِ وَذَلِكَ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِير".
الشرح:الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي الطُّرُقِ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ لَا يَتَقَدَّرُ وُجُوبُهُ بِشَيْءٍ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ مَا يُمْكِنُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: حَتَّى لَوْ مَسَحَ بَعْضَ شَعْرَةِ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَئِمَّةِ، وَيُتَصَوَّر الْمَسْحُ عَلَى بَعْضِ شَعْرَةٍ بِأَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ مَطْلِيًّا بِحِنَّاءٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الشَّعْرِ ظَاهِرًا إلَّا شَعْرَةً فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهَا عَلَى رَأْسِهِ الْمَطْلِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ خَيْرَانَ فِي كِتَابِهِ اللَّطِيفِ ( وَهُوَ غَيْرُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ ) : أَقَلُّهُ مَسْحُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ أَقَلَّهُ أَنْ يَمْسَحَ بِأَقَلِّ شَيْءٍ مِنْ أُصْبُعِهِ عَلَى أَقَلِّ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ فِي الْعُرْفِ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِيَ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ النَّاصِيَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَمْسَحْ أَقَلَّ مِنْهَا، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْمُزَنِيِّ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"كَمَا نَقُولُ فِي الْحَلْقِ فِي الْإِحْرَامِ"يَعْنِي الْحَلْقَ الَّذِي هُوَ نُسُكٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ. وَكَذَا الْحَلْقُ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا تَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِيهِ إلَّا بِثَلَاثِ شَعَرَاتٍ. فَقَاسَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْحَلْقِ الْأَوَّلِ، وَآخَرُونَ عَلَى الثَّانِي، وَآخَرُونَ عَلَيْهِمَا، وَكُلُّهُ صَحِيحٌ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَقَلِّ مَا يُجْزِي مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَإِنْ قَلَّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَدَاوُد، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَشْهُرُهَا: رُبْعُ الرَّأْسِ. وَالثَّانِيَةُ: قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ. وَالثَّالِثَةُ: قَدْرُ النَّاصِيَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: نِصْفُ الرَّأْسِ. وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْمُزَنِيِّ: جَمِيعُ الرَّأْسِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ1 مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنْ تَرَكَ نَحْوَ ثُلُثِ الرَّأْسِ جَازَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَوْجَبَ الْجَمِيعَ بِقَوْلِهِ تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] قَالُوا وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في الطبعتين السابقتين: محمد بن مسلمة وهو خطأ (ط)