ج / 10 ص -187- مُسَاوَاةُ الْوَسَطِ لِلْمِائَتَيْنِ الْعُتَّقِ وَلِلْمَرْوَانِيَّةِ فِي الْقِيمَةِ صَحَّ الْعَقْدُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَإِنْ فُرِضَ التَّفَاضُلُ أَوْ الْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالْفَسَادِ قَطْعًا، يَعْنِي عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِلَّةِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيُتَّجَهُ لَهُمْ - يَعْنِي لِلْخَصْمِ - فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ عليه السلام:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ"قلت: لَمْ أَرَ هَذَا اللَّفْظَ فِي حَدِيثٍ وَالْحَنَفِيَّةُ اسْتَنَدُوا إلَى حَدِيثِ عُبَادَةَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَحَقَّقُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَابَلَةُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ بِوَزْنِ الْعَيْنِ لَا بِرِعَايَةِ الصِّفَةِ وَلَوْ رُوعِيَتْ الصِّفَاتُ لَمَا تُصُوِّرَ تَصْحِيحُ بَيْعِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، إذْ مَا مِنْ صَاعٍ إلَّا وَيَشْتَمِلُ عَلَى تَمَرَاتٍ رَدِيئَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَوْ مُيِّزَتْ لَاخْتَلَفَتْ قِيمَتُهَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَرْعَاهَا الشَّرْعُ قَطْعًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَحِلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ لَازِمٌ عَلَى مَسَاقِ الْمَذْهَبِ، فَنَقُولُ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ"فَإِنْ كَانَ حَدِيثًا أَرَادَ بِهِ مَا إذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ، فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَهُوَ مُسْتَخْرَجٌ بِالدَّلِيلِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْمُعَامَلَةِ قَدْ تَعَبَّدْنَا بِهَا وَالتَّوْزِيعُ يُفْضِي إلَى مُفَاضَلَةٍ لَا مَحَالَةَ بِدَلِيلِ أَنَّ الدِّينَارَ الْجَيِّدَ لَوْ كَانَ لِوَاحِدٍ وَالدِّينَارَ الرَّدِيءَ لِآخَرَ لَا يَتَقَاسَمَانِ الدِّينَارَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ، بَلْ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْجَيِّدِ زِيَادَةً، وَلَا يَسْتَنِدُ اسْتِحْقَاقُهُ لِمِلْكِ الزِّيَادَةِ إلَى الْقِسْمَةِ إذْ الْقِسْمَةُ إفْرَازٌ لِلْحَقِّ لَا يَزِيدُ بِهِ الْحَقُّ وَلَا يَنْقُصُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِاقْتِضَاءِ الْعَقْدِ، هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْعَاقِدِ، فَلَا تَخْتَلِفُ الْمُقَابَلَةُ بِاتِّحَادِ الْعَاقِدِ.
ثُمَّ قَالَ: هَذَا طَرِيقُ التَّوْزِيعِ، وَفِيهِ غُمُوضٌ لَا يُنْكِرُهُ مَنْ تَأَمَّلَهُ. وَهُوَ الِاسْتِدْلَال الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَرَافِيُّ لَهُمْ مِنْ الْحَدِيثِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ. وَذَكَرُوا أَيْضًا قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ عِبَادَةَ"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَى أَنْ قَالَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ"قَالُوا: مَا جَازَ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ تَجْمَعَ الصَّفْقَةُ نَوْعًا وَاحِدًا أَوْ نَوْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الطَّعَامِ"إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ"قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمِقْدَارِ أَوْ فِي الْقِيمَةِ لَا جَائِز أَنْ تَكُونَ فِي الْقِيمَةِ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ دِرْهَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ بِمَكْسُورَيْنِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الصِّحَاحِ أَكْثَرَ، وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْخَبَرَ حُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّهُ قَالَ:"إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ"وَلَيْسَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الدِّرْهَمَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ بِالْمَكْسُورَيْنِ، مُتَّفَقٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا. وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنَّمَا التَّمَاثُلُ بِالْقَدْرِ، غَيْرَ أَنَّ الْقِيمَةَ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يُعْرَفُ بِهَا تَمَاثُلُ الْقَدْرِ وَتَفَاضُلُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْجُورِيُّ طَرِيقَ التَّوْزِيعِ قَالَ: وَاسْتَدَلَّ الْمَدِينِيُّ بِهَذَا الدَّلِيلِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لِابْنِ سُرَيْجٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ تَعَدٍّ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَنْعُ مِنْ صَاعَيْ بَرْنِيِّ بِصَاعَيْ سِهْرِيزٍ بِجَوَازِ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَحَدُهُمَا صَاعَيْ السِّهْرِيزِ فَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ مِنْ الْبَرْنِيِّ، وَهُوَ نِصْفُ صَاعٍ، فَيَصِيرُ إلَى أَنْ أَعْطَى صَاعًا وَنِصْفًا بَرْنِيًّا بِصَاعٍ مِنْ سِهْرِيزٍ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ اقْتَحَمَ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَرَاهُ فَاعِلَهُ، لَزِمَهُ أَنْ لَا يُجِيزَ التَّمْرَ بِالتَّمْرِ حَتَّى يَكُونَا مُتَمَاثِلَيْ الْقِيَمِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَنْخَفِضُ قِيمَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ مَا خَافَهُ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ صَاعَ السِّهْرِيزِ مُقَابَلٌ بِصَاعٍ مِنْ الْبَرْنِيِّ لَا غَيْرُ وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْجُورِيُّ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي إبْطَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.