ج / 10 ص -186- أَنْ يَشْتَرِيَ صَاعًا مِنْ الْجَنِيبِ بِصَاعٍ مِنْهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ، وَلَمْ يَفْصِلْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَنْوَاعِ ظَاهِرًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَا، مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ يَظْهَرُ الِاخْتِلَاطُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ كُلُّ نَوْعٍ مُتَمَيِّزًا مُنْفَصِلًا فَفِي إلْحَاقِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ نَظَرٌ أَنَّ الْمُخْتَلَطَ لَا يُوَزِّعُ أَهْلُ الْعُرْفِ الثَّمَنَ عَلَيْهِ، بَلْ يُقَوِّمُونَ شَيْئًا وَاحِدًا وَالتَّمْيِيزُ يُقَوِّمُ أَهْلُ الْعُرْفِ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبِمَا ذَكَرْتُهُ وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ يَظْهَرُ وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، فَعِنْدَ عَدَمِ التَّمْيِيزِ أُلْحِقَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ اسْتِدْلَالًا بِالْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَعِنْدَ التَّمْيِيزِ الصَّحِيحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ الْبُطْلَانُ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَيَقُولُونَ: إنْ خَلَطَ الصَّيْحَانِيَّ بِالْبُرْنِيِّ أَوْ الْكِبَارَ بِالصِّغَارِ ثُمَّ بَاعَ صَاعًا بِصَاعٍ يَجُوزُ عِنْدَكُمْ، وَلَوْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ ثُمَّ بَاعَ لَمْ يَجُزْ قَالَ: وَهَذَا مُشْكِلٌ إنْ سَلَّمْنَا، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا، يَعْنِي مِنْ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجْهُ الِاعْتِرَاضِ: عَلَى مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ الْبُطْلَانُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِمَنْعِ ذَلِكَ فِي النَّقْدِ، وَتَجْوِيزُهُ فِي التَّمْرِ، لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُهَا وَيَشُقُّ تَمْيِيزُهَا. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ التَّقْرِيبِ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ احْتَرَزَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْ مَسْأَلَةِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه فِي الْمُرَاطَلَةِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ طَرْدِهِ فِيهَا. فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ فَرَضَ مَسْأَلَةَ الْمُرَاطَلَةِ فِي الْعُتَّقِ وَهِيَ نَفِيسَةٌ. وَالْمَرْوَانِيَّة وَهِيَ دُونَهَا. ثُمَّ فَرَضَ مِنْ الْجَانِبِ الثَّانِي مِائَتَيْ دِينَارٍ وَسَطًا حَتَّى لَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْمُسَامَحَةِ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ اقْتَضَى الْعَقْدُ مِنْ الشِّقَّيْنِ طَلَبَ الْمُعَايَنَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّوْزِيعَ وَهُوَ يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ لَا مَحَالَةَ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ خِلَافٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ، وَإِنْ نُقِلَ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ.
وَلَكِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قَالَ: إنَّ قِيَاسَهُ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ قَالَ: وَمَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ التَّصْحِيحِ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَأَصْحَابِهِ، وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ يُتَبَيَّنُ فَرْقٌ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ وَبَيْنَ مَا لَوْ بَاعَ خَمْسَةً مُكَسَّرَةً وَخَمْسَةً صَحِيحَةً بِمِثْلِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ خِلَافًا، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: هَذَا نَقْلُ الْمَذْهَبِ وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ، وَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى - بِمَآخِذِ الْأَشْرَافِ، عَلَى مَطَالِعِ الْإِنْصَافِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ - إنَّ الطَّرِيقَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ يَعْنِي طَرِيقَ التَّوْزِيعِ وَالْجَهْلَ بِالْمُمَاثَلَةِ لَا تَأْتِي فِي مَسَائِلِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ كَمَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ، وَمَسْأَلَةِ الصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ: إذَا عَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمُدِّ مِثْلُ الدِّرْهَمِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ الَّتِي خَالَفَ الْإِمَامُ صَاحِبَ الْمَذْهَبِ فِيهَا، فَإِنَّ لِلنَّظَرِ فِيهَا مَجَالًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رَاطَلَ مِائَةَ رَطْلٍ مِائَةَ دِينَارٍ عُتَّقٍ وَمِائَةً مَرْوَانِيَّةً بِمِائَتَيْ دِينَارٍ وَسَطٍ، فَإِنْ فُرِضَ