فهرس الكتاب

الصفحة 3492 من 4102

ج / 10 ص -185- وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِمَا سَنَذْكُرُهُ، وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ إلَى تَرْجِيحِهِ. وَقَالَ فِي الْبَسِيطِ: إنَّ الْقِيَاسَ الصِّحَّةُ قَالَ: وَلَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الدَّرَاهِمَ وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى الصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَات، وَالْمُكَسَّرَاتُ مِنْهَا تَشْتَمِلُ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ يَعْرِفُ الصَّيَارِفُ صَرْفَهَا، وَفَضْلَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّفُوا قَطُّ تَمْيِيزَهَا، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ إذَا بِيعَ بِالتَّمْرِ، وَيَشْتَمِلُ الصَّاعُ عَلَى تَمَرَاتٍ رَدِيئَةٍ وَأُخْرَى جَيِّدَةٍ، وَلَوْ فُصِلَتْ لَتَفَاوَتَتْ قِيمَتُهَا، وَإِبْطَالُ بَيْعِهَا بَعِيدٌ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا فِيهَا تَوَقُّفٌ، لِأَنَّ صَاحِبَ التَّتِمَّةِ ثُمَّ صَاحِبُ الْبَحْرِ ذَكَرَ أَنَّهُ إنْ مَيَّزَ بَيْنَ صِغَارِ التَّمْرِ وَكِبَارِهِ فَبَاعَ صَاعًا مِنْ الصِّغَارِ، وَصَاعًا مِنْ الْكِبَارِ، بِصَاعٍ مِنْ الصِّغَارِ وَصَاعٍ مِنْ الْكِبَارِ، فَالْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا بِدِرْهَمٍ وَدِينَارٍ وَهُمَا مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ صَاعَيْنِ بِصَاعَيْنِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَشْتَمِلُ كُلَّ عِوَضٍ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ. فَمَا حُكْمُ الْعَقْدِ؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا كَانَ بَيْنَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ تَفَاوُتٌ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا، وَالشَّرْطُ فِي بَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ أَنْ تَتَسَاوَى أَجْزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْأَجْزَاءِ يَقْتَضِي أَنْ يُفْرَدَ الْبَعْضُ، وَتَحْقِيقُ الْمُقَابَلَةِ وَالتَّقْسِيطِ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى الرِّبَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي1 الْإِمَامِ حُسَيْنٍ.

وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إذَا بَاعَ صَاعًا بِصَاعٍ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِغَارٌ وَكِبَارٌ إنْ كَانَتْ الصِّغَارُ ظَاهِرَةً فِيمَا بَيْنَ الْكِبَارِ، بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِلنُّظَّارِ، لَكِنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصِّغَارُ ظَاهِرَةً فِيهَا بَيْنَ الْكِبَارِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَصَالِحٌ كَمَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا مَعْدِنٌ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ، إنْ كَانَ الْمَعْدِنُ ظَاهِرًا لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا يَصِحُّ الْعَقْدُ، فَعَلَى هَذَا يُحْتَاجُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصِّغَارُ مُخْتَلِطَةً بِالْكِبَارِ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُفْرَدَةً، لِأَنَّهُ لَوْ الْتَقَطَ الصِّغَارَ عَنْ الْجُمْلَةِ وَمَيَّزَهَا عَنْهَا ثُمَّ بَاعَ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ بِالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ عِنْدَ التَّمْيِيزِ كُلَّ نَوْعٍ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَعِنْدَ الِاخْتِلَاطِ الْجُمْلَةُ مَقْصُودَةٌ، وَكُلُّ نَوْعٍ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنَّ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ لَوْ بَاعَ صَاعَيْنِ بِدِرْهَمَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ أَحَدُ الصَّاعَيْنِ مُسْتَحِقًّا يَسْتَرِدُّ بِإِزَائِهِ دِرْهَمًا مِنْ الْجُمْلَةِ وَإِذَا كَانَتْ الصِّغَارُ مُفْرَدَةً عَنْ الْكُلِّ فَخَرَجَ كُلُّ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ مُسْتَحِقًّا لَا يَسْتَرِدُّ بِإِزَائِهِ دِرْهَمًا مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا يَسْتَرِدُّ مَا يُقَابِلُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ، وَمُلَخَّصُهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّمْيِيزِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا والثاني: إنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً تَظْهَرُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ لَمْ يَصِحَّ. وَالْأَصَحُّ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ، وَالصَّوَابُ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا عِنْدَ عَدَمِ التَّمْيِيزِ، سَوَاءٌ ظَهَرَتْ أَمْ لَمْ تَظْهَرْ، فَإِنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا نَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ"وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْجَمْعَ اسْمٌ لِمَا يَجْمَعُ أَنْوَاعَ التَّمْرِ، وَقَدْ خَيَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 كذا ولعله"وهو اختيار الإمام القاضي حسين" (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت