ج / 10 ص -188- وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى اعْتَضَدْنَا فِيهَا بِحَدِيثِ الْقِلَادَةِ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْقِلَادَةَ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ فِيهَا فَلَمْ يَبْقَ لَهَا هُنَا إلَّا التَّمَسُّكُ بِالْمَعْنَى وَالنَّظَرُ فِي إلْحَاقِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ بِالْأُولَى وَلِذَلِكَ خَالَفَ فِي هَذِهِ بَعْضُ مَنْ وَافَقَ فِي الْأُولَى، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رحمهما الله. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ وَالْبَصْرِيُّونَ فَجَائِزٌ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ رَدِيءَ التَّمْرِ وَجَيِّدَهُ لَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ.
فروع: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا بَاعَ مِائَةَ دِرْهَمٍ صَحِيحًا وَمِائَةَ دِرْهَمٍ غَلَّةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ صِحَاحٍ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ غَلَّةً فَإِنْ اخْتَلَفَ جَوْهَرُ الصِّحَاحِ مِنْ هَذَا الْعِوَضِ وَجَوْهَرُ الْغَلَّةِ مِنْ هَذَا الْعِوَضِ لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ مَحِلَّ الْخِلَافِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ رَاجِعَةً لِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى جَوْهَرِ الْعِوَضَيْنِ أَمَّا إذَا اخْتَلَفَ جَوْهَرُ الْعَرَضِ مَعَ الْمَضْمُومِ فَيَبْطُلُ جَزْمًا. هَكَذَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْكَلَامُ.
فرع: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرَاطَلَةِ عِلَّةَ الْجَوَازِ فِي بَيْعِ الدِّينَارِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ أَنَّ أَجْزَاءَ الْجَيِّدِ مُتَسَاوِيَةُ الْقِيمَةِ، وَأَجْزَاءَ الرَّدِيءِ مُتَسَاوِيَةُ الْقِيمَةِ وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَتْ الرَّدَاءَةُ فِي طَرَفٍ مِنْ الدِّينَارِ - وَبَقِيَّتُهُ جَيِّدٌ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجَيِّدٍ وَلَا رَدِيءٍ وَلَا بِمِثْلِهِ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، لِأَنَّ الدِّينَارَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالْقِيمَةِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ جُمْلَتُهُ، وَلَوْ فُرِضَ اخْتِلَافُ رَدَاءَتِهِ كَالصَّاعِ مِنْ التَّمْرِ الْمُخْتَلَطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: أَطْلَقَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ تَبَعًا لِلشَّافِعِيِّ وَلِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عُتَّقًا وَجُدُدًا بِعُتَّقٍ وَجُدُدٍ مُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْوَزْنِ لَمْ يَجُزْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْعُتَّقِ وَالْجُدُدِ أَوْ كَانَ الْغَرَضُ يَخْتَلِفُ بِهَا. أَمَّا إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْيَوْمَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضُرُّ ذَلِكَ.
فرع: جَعَلَ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ: دِينَارَ1 صَحِيحٍ وَدِينَارَ رُبَاعِيَّات بِدِينَارَيْنِ صَحِيحَيْنِ أَوْ رُبَاعِيَّانِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمقلت: وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِنِصْفَيْنِ وَزْنُهُمَا دِرْهَمٌ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ الرَّوَاجُ وَاحِدًا وَهُوَ يُبَيِّنُ مُرَادَهُمْ بِالْمَكْسُورِ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَكْسُورَ وَالْمَقْطُوعَ الَّذِي لَا يُرَوَّجُ رَوَاجَ الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ عَنْ نَصْرٍ رحمه الله تعالى مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مُدُّ حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ وَمَدُّ حِنْطَةٍ مِصْرِيَّةٍ بِمُدَّيْنِ مِصْرِيَّيْنِ أَوْ شَامِيَّيْنِ فِي2 أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَلْيُنْظَرْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في الأصل وفي ش و ق ويستقيم إذا قال:"دينارا صحيحا ودينارا وباعيا بدينارين صحيحين أو رباعيين" (ط) .
2 بياض بالأصل فحرر ولعل السقط"تقريره"أو"بحثه"أو"حكايته"والله أعلم (ط) .