فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 4102

ج / 1 ص -216- اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ إمْسَاسِهِ الْمَاءَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ هَذَا الِاسْتِحْبَابُ ثَابِتٌ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ قُطِعَتْ فَوْقَ مَحَلِّ الْفَرْضِ، حَتَّى لَوْ قُطِعَتْ مِنْ الْمَنْكِبِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُمِسَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مَاءً بِلَا خِلَافٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله فِي الْأُمِّ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرُونَ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَعْلِيلِ أَصْلِ هَذَا الْإِمْسَاسِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ: حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْعَضُدُ مِنْ طَهَارَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إطَالَةً لِلْغُرَّةِ أَيْ: التَّحْجِيلُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فَقَالَ أَبُو إسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ مِنْ طَهَارَتِهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: اسْتَحَبَّهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْحِلْيَةِ وَالتَّحْجِيلِ.

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ. يُمِسُّ مَا بَقِيَ مَاءً فَكَذَا عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمْسَاسِ غَسْلُ بَاقِي الْيَدِ، هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي"الوجيز"وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا كَانَ غَسْلُ مَا فَوْقَ الْمِرْفَقِ مُسْتَحَبًّا تَبَعًا لِلذِّرَاعِ وَقَدْ زَالَ الْمَتْبُوعُ فَيَنْبَغِي أَلَّا يُشْرَعَ التَّابِعُ كَمَنْ فَاتَهُ صَلَوَاتٌ فِي زَمَنِ الْجُنُونِ وَالْحَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي النَّوَافِلَ الرَّاتِبَةَ التَّابِعَةَ لِلْفَرَائِضِ كَمَا لَا يَقْضِي الْفَرَائِضَ.

فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ مَعَ إمْكَانِهِ، فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ مَعَ إمْكَانِهِ فَالتَّابِعُ أَوْلَى، وَأَمَّا سُقُوطُ غَسْلِ الذِّرَاعِ هُنَا فَلِتَعَذُّرِهِ، وَالتَّعَذُّرُ مُخْتَصٌّ بِالذِّرَاعِ فَبَقِيَ الْعَضُدُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ، وَصَارَ كَالْمُحْرِمِ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ"فِيهِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْأَقْطَعُ عَلَى الْوُضُوءِ وَوَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، لَزِمَهُ كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَلَّى وَأَعَادَ كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا"

الشرح: إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُضُوءِ لَزِمَهُ تَحْصِيلُ مَنْ يُوَضِّئُهُ إمَّا مُتَبَرِّعًا وَإِمَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا وَجَدَهَا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأُجْرَةَ أَوْ وَجَدَهَا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ أَوْ وَجَدَ فَلَمْ يَقْنَعْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَأَعَادَ، كَمَا يُصَلِّي وَيُعِيدُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا، فَالصَّلَاةُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَالْإِعَادَةُ لِاخْتِلَالِ الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ نَادِرٍ. هَذَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ الْأَقْطَعُ عَلَى التَّيَمُّمِ، فَإِنْ قَدَرَ لَزِمَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ وَيُعِيدَ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَشَذَّ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَقَالَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: لَا يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ بَلْ يُصَلِّي بِحَالِهِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّيَمُّمُ، وَهَذَا شَاذٌّ مُنْكَرٌ وَسَنُعِيدُ الْمسألة:إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَاضِحَةً مَبْسُوطَةً، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ مُتَبَرِّعًا لَزِمَهُ الْقَبُولُ إذْ لَا مِنَّةَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت