ج / 1 ص -215- كتَابِ السَّرِقَةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْبَغَوِيّ: تُقْطَعُ إحْدَاهُمَا ثُمَّ إذَا سَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَتْ الْأُخْرَى، وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ قَالَ الْأَصْحَابُ: نَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا فَغَيْرُ مُوَافَقٌ عَلَيْهِ بَلْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ وَرَدُّوهُ، وَالصَّوَابُ الِاكْتِفَاءُ بِإِحْدَاهُمَا، وَفَرَّقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ بِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَأَمَّا الْحَدُّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ تَقَلَّعَ جِلْدٌ مِنْ الذِّرَاعِ وَتَدَلَّى مِنْهَا لَزِمَهُ غَسْلُهُ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِنْ تَقَلَّعَ مِنْ الذِّرَاعِ وَبَلَغَ التَّقَلُّعُ إلَى الْعَضُدِ ثُمَّ تَدَلَّى لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ الْعَضُدِ، وَإِنْ تَقَلَّعَ مِنْ الْعَضُدِ وَتَدَلَّى مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهُ، لِأَنَّهُ [ جِلْدٌ ] تَدَلَّى مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَإِنْ تَقَلَّعَ مِنْ الْعَضُدِ وَبَلَغَ التَّقَلُّعُ إلَى الذِّرَاعِ ثُمَّ تَدَلَّيْ [ مِنْهُ ] لَزِمَهُ غَسْلُهُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ الذِّرَاعِ، وَإِنْ تَقَلَّعَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْتَحَمَ بِالْآخَرِ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا حَاذَى مِنْهُ مَحَلَّ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ الَّذِي عَلَى الذِّرَاعِ إلَى الْعَضُدِ، فَإِنْ كَانَ مُتَجَافِيًا عَنْ ذِرَاعِهِ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَحْتَه".
الشرح: هَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرَهَا وَاضِحَةٌ وَحَاصِلُهَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْجِلْدِ الْمُتَقَلِّعِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي انْتَهَى التَّقَلُّعِ إلَيْهِ وَتَدَلَّى مِنْهُ فَيُعْتَبَرُ الْمُنْتَهَى وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَقَلَّعَ مِنْهُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الصُّورَةَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَأَشَارَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ إلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَرْمَلَةَ، صَرَّحَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَرْمَلَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِحُرُوفِهِ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِأَصْلِهِ فَيَجِبُ غَسْلُ جِلْدَةِ السَّاعِدِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنْ الْعَضُدِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ جِلْدَةِ الْعَضُدِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنْ السَّاعِدِ إذَا لَمْ تَلْتَصِقْ بِهِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ. ثُمَّ حَيْثُ أَوْجَبْنَا غَسْلَ الْمُتَقَلِّعَةِ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا وَغَسْلُ مَا تَقَلَّعَتْ عَنْهُ وَظَهَرَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَقَوْلُهُ:"فَإِنْ بَلَغَ التَّقَلُّعُ إلَى الْعَضُدِ ثُمَّ تَدَلَّى مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْ غَسْلُهُ"يَعْنِي: سَوَاءٌ حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ أَمْ لَا، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْيَدِ الْمُتَدَلِّيَةِ مِنْ الْعَضُدِ الْمُحَاذِيَةِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُحَاذِي مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ يَقَعُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْجِلْدَةِ. كَذَا فَرَّقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ.
وَقَوْلُهُ:"فَإِنْ كَانَ مُتَجَافِيًا لَزِمَهُ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ"كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا بِأَنَّ هَذَا نَادِرٌ فَلَا يَسْقُطُ مَا تَحْتَهُ كَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ، قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَوْ الْتَصَقَتْ جِلْدَةُ الْعَضُدِ بِالسَّاعِدِ وَاسْتَتَرَ مَا تَحْتَهَا مِنْ السَّاعِدِ فَغَسَلَهَا ثُمَّ زَالَتْ الْجِلْدَةُ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحْتِهَا لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ظَاهِرِهَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ زَالَتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَسَلَ لِحْيَتَهُ ثُمَّ حُلِقَتْ لَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا كَانَ تَحْتَهَا لِأَنَّ غَسْلَ بَاطِنِهَا كَانَ مُمْكِنًا، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ غَسْلُ الظَّاهِرِ وَقَدْ فَعَلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رحمه الله تعالى: وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِسَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْيَدِ مَاءً حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْعُضْوُ مِنْ الطَّهَارَة"ِ ."
الشرح: قَوْلُهُ: يُمِسُّ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَقَوْلُهُ:"لَا فَرْضَ عَلَيْهِ"هَذَا مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ وَكَذَا