ج / 10 ص -88- وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ ا هـ. وَمَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إبْدَالُ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي يُؤْخَذُ ثَانِيًا بَدَلٌ عَنْ الْمَأْخُوذِ أَوَّلًا فَالْإِبْدَالُ الْمَقْبُوضُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ لَا لِمَا فِي الذِّمَّةِ وَالْمُمْتَنِعُ فِي السَّلَمِ إبْدَالُ مَا فِي الذِّمَّةِ. فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مَوْصُوفٌ يَنْطَلِقُ عَلَى أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ كَالْمُبْهَمِ بَيْنَهَا وَلَا يَتَأَتَّى تَسْلِيمُهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ يُعَيِّنُهُ فِي فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ، وَيَكُونُ مُسْلَمًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ، إذْ لَا يَتَأَتَّى تَسْلِيمُ مَا فِي الذِّمَّةِ مُجَرَّدًا، فَإِذَا رَدَّ ذَلِكَ الْمُعَيَّنَ وَأَخَذَ الْبَدَلَ فَقَدْ انْتَقَضَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ وَانْتَقَلَ إلَى مُعَيَّنٍ آخَرَ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ إبْدَالٌ وَإِنَّمَا الْإِبْدَالُ لِقِيَامِ الْمُعَيَّنِ الثَّانِي مَقَامَ الْمُعَيَّنِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِالْإِبْدَالِ هَاهُنَا الْمُبَادَلَةَ وَالِاعْتِيَاضَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَخْذُ مَا يَسُدُّ مَسَدَّ الْأَوَّلِ فَقَدْ بَانَ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْفَارِقِيُّ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ، تَرْجِيحُ قَوْلِ الْمُزَنِيِّ غَيْرُ مُتَوَجَّهٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّفْرِيعُ: إذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ وَهُوَ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَإِنَّهُ يَرُدُّ وَيَأْخُذُ بَدَلَهُ فِي الْمَجْلِسِ. كَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَيُوَافِقُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْمَحَامِلِيِّ إنَّهُمَا قَبْضَانِ تَعَقَّبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ. وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ مَعَ ذَلِكَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا إنْ وُجِدَ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَلَا خِيَارَ فِي الْفَسْخِ وَاسْتِرْجَاعِ الثَّمَنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا: مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّ لَهُ رَدَّهُ وَاسْتِرْجَاعَ ثَمَنِهِ وَكَذَلِكَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ذَكَرَ أَنَّ لَهُ فَسْخَ الْعَقْدِ وَمَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ. وَنَقَلَهُ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بَاقٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا رُدَّ بِسَبَبِ الْعَيْبِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى بِنَاءِ الْإِمَامِ فَإِنَّا إنَّمَا جَوَّزْنَا الْإِبْدَالَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُلِكَ بِالْقَبْضِ وَمَتَى مُلِكَ الْعَيْبُ بِالْقَبْضِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا فِي الذِّمَّةِ، وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الِانْتِصَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْآخَرِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ مَعِيبًا وَأَنْ يَرُدَّهُ وَيَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَرْجِعَ بِمَا دَفَعَ كَالصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَ الْبَعْضَ وَيَرُدَّ الْبَعْضَ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي تَعْلِيقِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. أحدهما: لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ قَالَ: وَهُوَ أَقْوَى. والثاني: لَهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُفَرِّقُ الصَّفْقَةَ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ قَوْلًا وَاحِدًا أَنْ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ. فَهَذِهِ طَرِيقَانِ فِي جَوَازِ رَدِّ الْبَعْضِ إذَا كَانَ الْكُلُّ مَعِيبًا، وَهُمَا غَرِيبَانِ لَمْ أَرَهُمَا إلَّا فِي تَعْلِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. هَذَا إذَا كَانَ الْكُلُّ مَعِيبًا فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِبَعْضِهِ وَفُرِضَ أَنَّ الْعَيْبَ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ الْجِنْسِ فَقَدْ بَنَاهُ الْأَصْحَابُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالْمَحَامِلِيُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ إنْ قُلْنَا هُنَاكَ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ فَهَاهُنَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْقَدْرَ الَّذِي هُوَ مَعِيبٌ وَيُطَالِبَهُ بِبَدَلِهِ سَلِيمًا وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: إنَّهُ هَاهُنَا أَوْلَى.
وَعِبَارَتُهُمْ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي تَعْلِيقِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا إذَا وَجَدَ بَعْضَهُ جَيِّدًا وَبَعْضَهُ رَدِيئًا إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْجَيِّدَ، وَيَكُونُ لَهُ الرَّدِيءُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَبْدِلَ وَهُوَ يُوَافِقُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ إذَا كَانَ كُلُّهُ مَعِيبًا، وَقُلْنَا بِجَوَازِ