فهرس الكتاب

الصفحة 3394 من 4102

ج / 10 ص -87- يَبْقَى تَنَاقُضٌ بَيْنَ مَا جَزَمُوا بِهِ وَبَيْنَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنَّ الشَّرْطَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ حُصُولُ التَّقَابُضِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ رحمه الله: فَإِنْ قُلْتَ: الصَّرْفُ أَضْيَقُ مِنْ غَيْرِهِ، وَنَصُّ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَلَّا يَبْقَى بَيْنَهُمَا عُلْقَةٌ أَصْلًا، وَالْمِلْكُ أَقْوَى الْعُلَقِ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْأُمُورَ الَّتِي سَبَقَ اعْتِبَارُهَا تُغْتَفَرُ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْمَقْبُوضِ لَا عَيْبَ فِيهِ مِمَّا يَشُقُّ فَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ وَصُحِّحَ الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: إنَّ الْقَوْلَيْنِ يَلْتَقِيَانِ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَوْفَى عَنْ الذِّمَّةِ إذَا رُدَّ بِالْعَيْبِ هَلْ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْأَخْذُ أَوْ لَا؟ أَوْ كَأَنَّهُ وُجِدَ وَزَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ ثُمَّ تَجَدَّدَ الْمِلْكُ ثَانِيًا بِالرَّدِّ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ، فَائِدَتُهُمَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ:

إحْدَاهُمَا: إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ جَارِيَةً فَرَدَّهَا بِعَيْبٍ، هَلْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا؟

وَالثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَبْدًا فَاسْتَكْسَبَهُ وَأَخَذَ كَسْبَهُ وَغَلَّتَهُ ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْبٍ فَهَلْ يَجِبُ رَدُّ الْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ؟ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ رحمه الله: إنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ وَالْأَخْذُ فَهَاهُنَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ حَصَلَ التَّفَرُّقُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَإِنْ قُلْنَا هَذَا مِلْكٌ آخَرُ أَيْ وَتَجَدَّدَ الْمِلْكُ بِهِ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ نَقَلَهُمَا الْقَاضِي وَإِنْ كَانَا قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَيْنَاهُمَا عَنْ الْأَصْحَابِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُمْلَكُ الْمَعِيبُ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ؟ أَوْ مِنْ حِينِ الرِّضَى؟ فَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِمَا السُّؤَالُ، كَمَا وَرَدَ عَلَى قَائِلِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ كَلَامَ الْقَاضِي مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا رَدَّ وَاحِدٌ الْبَدَلَ هَلْ يَقُولُ: إنَّهُ انْتَقَضَ الْمِلْكُ فِي الْأَوَّلِ. وَيَثْبُتُ فِي الْبَدَلِ أَوْ يُقَدِّرُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمِلْكُ فِي الْأَوَّلِ أَصْلًا، وَهَذَا أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ لَا أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْيَقِينِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَدُلُّ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ. فَكَذَلِكَ هَذَا رَفَعَ حُكْمَ الْقَبْضِ مِنْ أَصْلِهِ وَالْعَامِلُ الْآخَرُ يَرْفَعُهُ مِنْ حِينِهِ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ إنَّهُ زَالَ الْمِلْكُ فِي الْأَوَّلِ وَعَادَ فِي الثَّانِي، هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ كَلَامُ الْقَاضِي، وَلَيْسَ يَلْزَمُ إثْبَاتُ خِلَافٍ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَرُدَّ وَرَضِيَ بِالْعَيْبِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ الرِّضَى، أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ فَذَلِكَ الْخِلَافُ عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْقَاضِي سَالِمٌ عَلَى الْإِشْكَالِ. وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى مَنْ غَيَّرَهُ بِالْعِبَارَةِ الْأُولَى، وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَقَالَ: إطْلَاقُ الْإِبْدَالِ عَلَى مَا يُوجَدُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ.

قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْبُوضُ بَدَلًا عَمَّا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ لَكَانَ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَالِهِ فِي الذِّمَّةِ قلنا: إنَّمَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَا فِي الذِّمَّةِ إذَا تَلِفَ الْمَقْبُوضُ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِصِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَنْهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ بِصِفَتِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَعِيبًا فَرَضِيَ بِهِ جَازَ، وَمَا كَانَ بِطَرِيقِ الْبَدَلِ، بَلْ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَلَى أَنَّهُ بِصِفَةِ مَالِهِ فِي الذِّمَّةِ فَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَ، فَعَلَى هَذَا الصَّحِيحُ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْقَبْضُ فِي الْمُسْتَحَقِّ وَاقِعًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت