فهرس الكتاب

الصفحة 3385 من 4102

ج / 10 ص -78- يُؤَوِّلُ هَذَا إلَى تَفْسِيرِ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ الْمُجْمَعِ عَلَى مَنْعِهِ، يَعْنِي مَا نَحْنُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ دَيْنٌ فَيَجْعَلَهُ عَلَيْهِ فِي دَيْنٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي الْقَدْرِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى امْتِنَاعِهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْعُ دَيْنٍ بِمَا يَصِيرُ دَيْنًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ مُتَمَسَّكٌ بِضَعْفِهِ وَلَا فِي الْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ التَّوَارُدِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَاحْتَجَّتْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه وَتَقَاضِيهِ الدَّرَاهِمَ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَبِالْعَكْسِ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالْمَوْصُوفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: فَلَوْ وَجَبَ لِزَيْدٍ فِي ذِمَّةِ عَمْرٍو دِينَارٌ أَهْوَازِيٌّ وَوَجَبَ لِعَمْرٍو فِي ذِمَّةِ زَيْدٍ دِينَارٌ أَهْوَازِيٌّ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا1.

الْقِسْمُ الرَّابِعُ: مُعَيَّنٌ وَمَوْصُوفٌ، كَمَا إذَا قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الدِّينَارَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ رحمه الله، فَلَوْ جَرَى هَذَا الْقِسْمُ بِلَفْظِ السَّلَمِ كَانَ بَاطِلًا أَيْضًا كَالْقِسْمِ الثَّانِي وَرَأَى شَيْخُنَا ابْنُ الرِّفْعَةِ الْقَطْعَ بِالْجَوَازِ فِي هَذَا الْقِسْمِ، لِلْبُعْدِ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَهَذَا غَلَطٌ مُخَالِفٌ.

الْقِسْمُ الْخَامِسُ: دَيْنٌ بِعَيْنٍ، كَمَا إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دِينَارٌ، فَقَالَ: بِعْتُكَ الدِّينَارَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ بِهَذِهِ الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ فَيَجُوزُ أَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ مِمَّا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ. وَهَذَا قِسْمَانِ أحدهما: أَلَّا يَكُونَ ثَمَنًا وَلَا مُثَمَّنًا كَدَيْنِ الْقِرَاضِ وَالْإِتْلَافِ والثاني: أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا عَلَى الْجَدِيدِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ، فَلَوْ كَانَ فِي الصَّرْفِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَخْذُ الدَّرَاهِمِ عَنْ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّنَانِيرِ عَنْ الدَّرَاهِمِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ. حُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَالْحَسَنِ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَقَتَادَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ. وَرُوِيَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَوَّلُونَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه: يُؤْخَذُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَبِأَعْلَى وَبِأَرْخَصَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رضي الله عنه: إنَّمَا يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ إلَّا مَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا"وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ هَذَا جَارٍ مَجْرَى الْقَضَاءِ فَيُقَيَّدُ بِالْمِثْلِ كَمَا لَوْ أَحْصَيْنَاهُ مِنْ الْجِنْسِ وَالتَّمَاثُلِ، بَيْنَمَا هُوَ مُتَعَذِّرٌ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَاعْتُبِرَ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، وَالْعُمْدَةُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 وهو ما يسمى بالمقاصة في لغة المصارف اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت