فهرس الكتاب

الصفحة 3379 من 4102

ج / 10 ص -72- فَنَقُولُ: إنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ تَارَةً يَرِدُ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَتَارَةً يَرِدُ عَلَى الذِّمَّةِ. وَالْوَارِدُ عَلَى الذِّمَّةِ إمَّا أَنْ يَرِدَ عَلَى شَيْءٍ يُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ، وَإِمَّا عَلَى شَيْءٍ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْعَقْدِ فَيَتَحَوَّلُ بِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ: الْمُعَيَّنُ والثاني: الْمَوْصُوفُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ والثالث: الدَّيْنُ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّفْقَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى عِوَضَيْنِ وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِهِمَا فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ سِتَّةٌ وَتَرْتِيبُهَا أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ قِسْمٍ مَعَ نَفْسِهِ وَمَعَ مَا بَعْدَهُ. وَقَدْ رَتَّبَهَا هَكَذَا:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَا مُعَيَّنَيْنِ الثاني: مَوْصُوفَيْنِ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا دَيْنَيْنِ الرَّابِعُ: مُعَيَّنٌ وَمَوْصُوفٌ الْخَامِسُ: مُعَيَّنٌ وَدَيْنٌ السَّادِسُ: مَوْصُوفٌ وَدَيْنٌ. فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى كُلِّ قِسْمٍ وَمَا يَجُوزُ مِنْهَا وَمَا يَمْتَنِعُ:

أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَا مُعَيَّنَيْنِ فَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي جَوَازِهِ كَمَا إذَا قَالَ: بِعْتُكَ أَوْ صَارَفْتُكَ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَمْوَالِ الرِّبَا كَبِعْتُكَ هَذِهِ الْحِنْطَةَ بِهَذِهِ الْحِنْطَةِ أَوْ بِهَذَا الشَّعِيرِ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إطْلَاقُ ذَلِكَ وَتَفَاصِيلُهُ.

وَمِنْ أَحْكَامِ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الْعِوَضَيْنِ يَتَعَيَّنَانِ بِالْعَقْدِ عِنْدَنَا. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَ الْمُتَعَيَّنِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ، وَمَتَى تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ انْفَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِذَا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْعَقْدِ، حَيْثُ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِهِ إمَّا بِمُقَابَلَةٍ وَإِمَّا بِرَدٍّ بِعَيْبٍ حَيْثُ ثَبَتَتْ فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ عَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبْدِلَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ بِكُلِّ الْمَبِيعِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ. صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ أَخْذُ بِدَلِهَا مِنْ غَيْرِ فَسْخِ الْعَقْدِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَقْدُ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ فَاعِلُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ صَحَّ، حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ فِي الْعُمْدَةِ وَغَيْرِهِ. وَهَذَا الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ فِي هَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فَرَّعَهُ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّهُ يَجُوزُ الصَّرْفُ فِي الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ حُسَيْنًا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ. قَالَ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ: إذَا كَانَ مُعَيَّنًا قَبْلَ الْقَبْضِ أَخْطَأَ مَنْ جَوَّزَهُ وَهُوَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ، وَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَدْفَعَ مِثْلَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ. وَاحْتَجُّوا لَهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ بِقَوْلِ الْفَرَّاءِ: إنَّ الثَّمَنَ لَهُ شَرْطَانِ أَنْ يَصْحَبَهُ الْبَائِعُ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ، قِيلَ: إنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَمِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ:"يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ إذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ"وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَيَّنًا.

والجواب: عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ كَوْنُ الْأَثْمَانِ مُطْلَقَةً وَعَنْ قَوْلِ الْفَرَّاءِ بِأَنَّ التَّعْيِينَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا مَجَالَ لِلُّغَةِ فِيهِ، فَإِنْ قَالَ: إنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى ثَمَنًا صَارَ بَحْثًا لَفْظِيًّا، وَصَارَ كَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت