ج / 10 ص -71- وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فَرْعًا فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ إذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْهُ كَيْفَ شِئْتَ، فَلَهُ الْبَيْعُ بِالنَّسِيئَةِ، وَلَا يَجُوزُ بِالْغَبْنِ، وَبِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَعَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ تَجْوِيزُ الْكُلِّ فَيُمْكِنُ اعْتِضَادُهُ بِالْحَدِيثِ فِي إدْرَاجِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ تَحْتَ الْكَيْفِ. لَكِنْ بَيْنَ هَذَا الْمِثَالِ وَبَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ فَرْقٌ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ مَعًا كَقَوْلِهِ"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا الصِّنْفَ بِصِنْفٍ آخَرَ كَيْفَ شِئْتُمْ عَلَى أَحَدِهِمَا زِيَادَةً"فَشَمِلَ، أَيْ فَبِيعُوا فِي الثَّمَنِ، وَذَلِكَ مُقَابَلَةُ الْمَبِيعِ بِالْكَيْفِيَّةِ إلَى أَحْوَالٍ وَنُقْصَانُهُ عَنْهُ.
وأما الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ فِي الْوَكَالَةِ فَالْكَيْفِيَّةُ رَاجِعَةٌ إلَى نَفْسِ الْبَيْعِ، فَلَا جَرَمَ شَمِلَ النَّقْدَ وَالنَّسِيئَةَ، وَلَمْ يَشْمَلْ قِلَّةَ الثَّمَنِ وَكَثْرَتَهُ وَبَيَانَ جِنْسِهِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ مُسَمَّى الْبَيْعِ وقوله تعالى: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: من الآية64] وَمَوْقِعُ كَيْفَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّمَاثُلَ وَالتَّفَاضُلَ صِفَتَانِ لِلْمَبِيعِ، يَرْجِعَانِ إلَى أَحْوَالِ مُقَابَلَتِهِ بِغَيْرِهِ. وَذَلِكَ مِنْ الْكَيْفِ لَا مِنْ الْكَمِّ، فَلِذَلِكَ جَاءَ الْحَدِيثُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ:"إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ"قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَذِكْرُهُ صلى الله عليه وسلم لَهُ ثَانِيًا وَاهْتِمَامُهُ بِهِ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْأَوَّلِ التَّأْكِيدَ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ دُونَ قَوْلِهِ عَيْنًا بِعَيْنٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَدًا بِيَدٍ يَدُلُّ عَلَى التَّقَابُضِ صَرِيحًا، وَعَلَى الْحُلُولِ ظَاهِرًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، فَفِي الْأَوَّلِ أَتَى بِاللَّفْظَيْنِ لِيَدُلَّا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ صَرِيحًا، وَفِي الْأَخِيرِ اكْتَفَى بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِمَا فِي الْجُمْلَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَالضَّمِيرُ فِي كَانَ لِلْبَيْعِ أَيْ إذَا كَانَ الْبَيْعُ يَدًا بِيَدٍ، أَيْ مُنَاجَزَةً فَهَاهُنَا لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الْمَبِيعِ. وَفِي الْأَوَّلِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الْمَبِيعِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا تَبِيعُوا إلَّا مُنَاجَزَةً فَيَكُونُ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ بَيْعًا مُنَاجَزَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ:"تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا"قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: التِّبْرُ مِنْ الدِّرْهَمِ وَالدَّنَانِيرِ مَا كَانَ غَيْرَ مَصُوغٍ وَلَا مَضْرُوبٍ، وَكَذَلِكَ مِنْ النُّحَاسِ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ وَمَا كَانَ كُسَارًا أَوْ غَيْرَ مَصُوغٍ وَلَا مَضْرُوبٍ فُلُوسًا وَأَصْلُ التِّبْرِ مِنْ قَوْلِكَ تَبَّرْتُ الشَّيْءَ أَيْ كَسَّرْتُهُ جِدًّا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ التِّبْرُ بِالتِّبْرِ وَبِالْعَيْنِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْحَاصِلِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ وَقَبْلَ الضَّرْبِ. وَأَمَّا التِّبْرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَعْدِنِ قَبْلَ التَّصْفِيَةِ فَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ فِضَّةٍ، وَلَا يُوجَدُ تِبْرُ ذَهَبٍ خَالِصًا مِنْ فِضَّةٍ، وَلَا يَنْفَصِلُ مِنْهُ إلَّا بِالتَّصْفِيَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ بَيْعُ التِّبْرِ الْمَذْكُورِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِخَالِصٍ كَبَيْعِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، فَيَمْتَنِعُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ تَبَايَعَا دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فِي الذِّمَّةِ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَ عَيْبًا نَظَرْتَ فَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا جَازَ أَنْ يَرُدَّ وَيُطَالِبَ بِالْبَدَلِ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَا فِي الذِّمَّةِ وَقَدْ قُبِضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَإِنْ تَفَرَّقَا فَفِيهِ قولان: أحدهما: يَجُوزُ إبْدَالُهُ لِأَنَّ مَا جَازَ إبْدَالُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ بَعْدَهُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ والثاني: لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ لِأَنَّهُ إذَا أَبْدَلَهُ صَارَ الْقَبْضُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ".
الشرح: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ جَوَازِ الصَّرْفِ فِي الذِّمَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعِوَضَيْنِ وَلَا أَحَدِهِمَا إذَا حَصَلَ التَّعْيِينُ فِي الْمَجْلِسِ. فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوَّلًا ثُمَّ نَرْجِعُ إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ