ج / 10 ص -73- إذَا بَاعَ عَبْدًا بِثَوْبٍ، فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ الصَّفْقَةَ خَالِيَةٌ عَنْ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّسْمِيَةُ فَقَطْ، فَكَمَا أَنَّ الثَّوْبَ مُتَعَيِّنٌ بِالْعَقْدِ كَذَلِكَ النَّقْدُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّ الْفَرَّاءَ خَلَطَ فِي هَذَا الْكِتَابِ اللُّغَةَ بِالْفِقْهِ، وَعَوَّلَ عَلَى فِقْهِ الْكُوفِيِّينَ، فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِه:ِ"قَالَ"وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِيمَا تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّقْدَيْنِ يَتَعَيَّنَانِ بِأَجْنَاسِهِمَا، فَإِذَا بَاعَ بِدَرَاهِمَ يَتَعَيَّنُ جِنْسُ الدَّرَاهِمِ، أَوْ بِدَنَانِيرَ يَتَعَيَّنُ جِنْسُ الدَّنَانِيرِ، نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ الْطَاوُسِيُّ فِي طَرِيقَتِهِ وَحُجَّتُنَا فِي التَّعْيِينِ مِنْ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ الرِّبَا"عَيْنًا بِعَيْنٍ".
قَالَ أَصْحَابُنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: وَلَوْ كَانَا لَا يَتَعَيَّنَانِ لِمَا كَانَا عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَالْقِيَاسُ عَلَى مَا إذَا كَانَ عِوَضًا بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِوَضٌ مُشَارٌ إلَيْهِ فِي الْعَقْدِ وَيَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ وَعَلَى الْقَرْضِ الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ وَالصَّدَاقِ وَالْوَكَالَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ حُلِيًّا فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ النَّقْدِ بِخُصُوصِهِ. وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ. لَكِنَّهُمْ اعْتَذَرُوا عَنْ الْعُقُودِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضَاهَا وُجُوبَهَا فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ الْمُعَيَّنَ إنْ صَلُحَ لِلْعِوَضِيَّةِ لَمْ يَجُزْ إبْدَالُهُ لِتَعَلُّقِ الْمِلْكِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَلَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا ثَمَنًا فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الثَّمَنَ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ. وَمَعْنَى التَّعْيِينِ أَنَّهُ يُوفِي ذَلِكَ الْمُطْلَقَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ هَذَا الْمُعَيَّنِ فَنَقُولُ: إنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ فِيهِ بِالتَّعْيِينِ كَالسَّلَمِ إذَا عَيَّنَ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا. وَهَذِهِ حُجَّةُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَرَبْطُ الْعَقْدِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِهِ لِعِلْمِهِ بِحِلِّهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاضِ. وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله فَوَائِدَ وَمَقَاصِدَ فِي تَعْيِينِ الثَّمَنِ.
منها: لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ عِنْدَ الْفَلَسِ وَتَبْرِئَةُ ذِمَّتِهِ لِقَصْرِ الْحَقِّ عَلَى تِلْكَ الْعَيْنِ. ومنها: لِلْمُشْتَرِي تَكْمِيلُ مِلْكِهِ إذْ الْمِلْكُ فِي الْعَيْنِ آكَدُ مِنْهُ فِي الدَّيْنِ. وَلِهَذَا أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ لِيُسَاوِيَ الْبَائِعَ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ. فَبِالتَّسْلِيمِ يَصِيرُ مَا عَلَيْهِ عَيْنًا مِثْلَ الْمَبِيعِ. قَالَ ذَلِكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى تَعْيِينَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ، فِي بَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ مُخْتَصَرًا، وَلَا فَرْقَ فِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ أَوْ غَيْرِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ اُسْتُبْدِلَ عَنْ الْمُعَيَّنِ بَعْدَ التَّقَابُضِ وَالتَّخَايُرِ صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، أَوْ قَبْلَهُمَا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ بَعْدَ التَّقَابُضِ وَقَبْلَ التَّخَايُرِ صَحَّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ، فَإِنَّهُ جَعَلَ اتِّفَاقَهُمَا عَلَى الْعَقْدِ الثَّانِي كَالتَّفَرُّقِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالرَّافِعِيِّ، وَضَعَّفَهُ الْمَاوَرْدِيُّ والثاني: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ إذَا قُلْنَا لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي إلَّا بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ لَا يَصِحُّ. أَوْ بَعْدَ التَّخَايُرِ وَقَبْلَ التَّقَابُضِ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ، فَلَا يُصَادِفُ الِاسْتِبْدَالُ مَحَلًّا، خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ وَهَبَ الصَّيْرَفِيُّ الدَّرَاهِمَ الْمُعَيَّنَةَ لِبَاذِلِهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِهَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهَا