ج / 10 ص -68- تَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَحْصُلَ فِي الْعِوَضَيْنِ اشْتِرَاكٌ فِي عِلَّةِ الرِّبَا وَالْجِنْسِيَّةِ، أَوْ لَا يَحْصُلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. أَوْ يَحْصُلَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِلَّةِ فَقَطْ أَوْ فِي الْجِنْسِيَّةِ فَقَطْ.
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَحْرُمُ فِيهِ النَّسَاءُ إجْمَاعًا وَالتَّفَاضُلُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
والثاني: يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ وَالْبَدَلُ قَبْلَ التَّقَابُضِ. سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا كَالذَّهَبِ وَالْحِنْطَةِ أَمْ لَا. كَإِسْلَامِ عَبْدٍ فِي ثَوْبَيْنِ وَفِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
والثالث: تَحْرِيمُ النَّسَاءِ وَالتَّفَرُّقِ، وَلَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْمِلْحِ بِالْحِنْطَةِ.
والرابع: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ نَقْدًا كَبَيْعِ عَبْدٍ بِعَبْدَيْنِ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي جَوَازِهِ نَسَاءً، وَلِبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ اخْتِلَافٌ فِيهِ، كَمَا إذَا أَسْلَمَ ثَوْبًا فِي ثَوْبَيْنِ، فَالْقِسْمُ الرَّابِعُ وَأَحَدُ نَوْعَيْ الْقِسْمِ الثَّانِي ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ.
إذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَاعْتِبَارُ الْجِنْسِيَّةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، هَلْ نَقُولُ الْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ لِعَمَلِ الْعِلَّةِ؟ فَالْجِنْسِيَّةُ وَحْدَهَا لَا أَثَرَ لَهَا عِنْدَنَا أَوْ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِهَا فَتَكُونُ مُرَكَّبَةً أَوْ مُجْمَلٌ فِيهِ الْعِلَّةُ، فَاَلَّذِي يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ وَصْفٌ وَأَنَّ الْعِلَّةَ مُرَكَّبَةٌ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْكِفَايَةِ فِي تَخْرِيجِ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْدَلَانِيِّ مِنْ طَرِيقَةِ نَاصِرِ الْعُمَرِيِّ وَزَعَمَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ اتِّفَاقَ أَصْحَابِهِمْ - مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْخِلَافِ -. وَأَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ إلَى وَقْتِهِ أَنَّ الْجِنْسَ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا. قَالَ: وَخَالَفَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبَيْنِ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ، يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ، فَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ: الْعِلَّةُ هِيَ الطُّعْمُ بِمُجَرَّدِهِ، وَلَكِنَّ الْجِنْسَ مِنْ شَرْطِهِ فَكَانَ يَقُولُ: الْعِلَّةُ الطُّعْمُ فِي الْجِنْسِ، سَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ كَجِّ الشَّافِعِيَّ بِالدِّينَوَرِ يَقُولُ هَذَا وَيَذْهَبُ إلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ عَنْ مَالِكٍ رحمه الله، وَلَا عَمَّنْ عَاصَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَتَحَرَّرُ، وَلَمْ يُدَقِّقُوا فِي النَّظَرِ وَلَا تَعَلَّقُوا فِيهِ إلَى هَذَا التَّضْيِيقِ وَالتَّحْقِيقِ ثُمَّ اخْتَارَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّ الْجِنْسَ شَرْطٌ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ. وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا الْمَرَاوِزَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا فَأَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْجِنْسِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَصْفٍ، وَأَطْنَبَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْجِنْسِيَّةَ لَا أَثَرَ لَهَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا أَثَرَ لَهُ، وَالْحَنَفِيَّةُ جَعَلُوا الْجِنْسِيَّةَ وَصْفًا فِي الْعِلَّةِ، فَفَرَّعُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْجِنْسِيَّةَ وَحْدَهَا تُحَرِّمُ النَّسَاءَ، فَلَا يَجُوزُ إسْلَامُ ثَوْبٍ فِي ثَوْبَيْنِ، وَمَعْنَى الْمَحَلِّ مَا يُعَيَّنُ لِعَمَلِ الْعِلَّةِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الْمَرَاوِزَةُ هَلْ هِيَ مَحَلٌّ أَوْ شَرْطٌ؟ فَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ يَحْيَى أَنَّهَا مَحَلٌّ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ الْمَرَاغِيُّ، وَالْفَقِيهُ الْقُطْبُ أَنَّهَا شَرْطٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ تَحْتَ هَذَا الِاخْتِلَافِ كَبِيرُ طَائِلٍ، وَمَنَعَ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَصْفًا يَلْزَمُ إفَادَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْغَزَالِيُّ قَدْ تَعَرَّضَ لِهَذَا الْمَنْعِ أَيْضًا فِي التَّحْصِينِ.
قَاعِدَةٌ: الْعُقُودُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّقَابُضِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: