ج / 10 ص -67- وَأَمَّا الْحَالُّ فَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى جِنْسِ السَّلَمِ الْأَجَلُ، وَالْغَالِبَ عَلَى الْأَجَلِ أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْمَجْلِسِ، فَلَمَّا اُشْتُرِطَ التَّقَابُضُ كَانَ ظَاهِرًا فِي إخْرَاجِ مَا يَتَأَخَّرُ فِيهِ التَّقَابُضُ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِيمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: فِي الْأُمِّ: وَلَا يُسَلِّمُ مَأْكُولًا وَمَشْرُوبًا فِي مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَقَالَ أَيْضًا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ ذَهَبًا فِي ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةً فِي فِضَّةٍ، وَلَا ذَهَبًا فِي فِضَّةٍ، وَلَا فِضَّةً فِي ذَهَبٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرُهُمْ. وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ حَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ.
ثُمَّ قَالَ: قُلْت: إنَّهُ إنْ أَسْلَمَ ذَلِكَ مُطْلَقًا كَانَ حَالًّا، فَإِنْ تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ جَازَ عِنْدِي، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ تَرْجِيحَ هَذَا. وَجَعْلَهُ بَيْعًا بِلَفْظِ السَّلَمِ. عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ الَّذِي حَكَيْتُهُ اسْتَشْكَلَهُ جَمَاعَةٌ وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ، وَجَعَلَ عَطْفَهُ عَلَى الْأَجَلِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَبَعْضُهُمْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَلَّا يُعْقَدَ بِصِيغَةِ السَّلَمِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
وَأَمَّا إسْلَامُ النَّقْدَيْنِ فِي الْمَطْعُومَاتِ فَصَحِيحٌ، إذْ لَمْ يَجْتَمِعَا فِي عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَلَّا يَصِحَّ لِأَنَّ الْحَدِيثَ أَخَذَ عَلَيْنَا شَرْطَيْنِ، الْحُلُولَ وَالتَّقَابُضَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ. قُلْنَا: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَقْتَضِي هَذَا تَنْزِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ جُمْلَتَانِ مُتَفَاضِلَتَانِ النَّقْدَانِ، وَالْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعَةُ، تَنْفَرِدُ كُلُّ جُمْلَةٍ بِعِلَّتِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ اخْتِلَافُ الْجِنْسَيْنِ مِنْ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ، وَحَاصِلُهُ تَخْصِيصُ عَامٍّ أَوْ تَقْيِيدُ مُطْلَقٍ بِالْإِجْمَاعِ. وَهَذَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ. وَسَأَذْكُرُ مَنْ نَقَلَهُ غَيْرَهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَاعِدَةٌ: لَعَلَّكَ تَقُولُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطُّعْمُ، وَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ فِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسَيْنِ، فَمَا السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ حَيْثُ كَانَ الْمُحَرَّمُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ شَيْئَيْنِ فَقَطْ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَحْكُومَ بِكَوْنِهِ عِلَّةً تَارَةً لَا يُعْتَبَرُ مَعَهُ أَمْرٌ آخَرُ أَصْلًا، فَهَذَا مَتَى ثَبَتَ الْحُكْمُ، وَتَارَةً يُعْتَبَرُ مَعَهُ أَمْرٌ آخَرُ إمَّا شَرْطٌ فِي تَأَثُّرِهِ، وَإِمَّا مَحَلٌّ يُؤَثِّرُ فِيهِ دُونَ مَحَلٍّ آخَرَ، وَهَذَا إذَا وُجِدَ فِي مَحَلِّهِ أَوْ مَعَ شَرْطِهِ أَثَّرَ، وَإِذَا وُجِدَ بِغَيْرِ شَرْطِهِ أَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْخَاصُّ، وَقَدْ يُؤَثِّرُ فِي حُكْمٍ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ.
مِثَالُهُ: الزِّنَا عِلَّةُ الرَّجْمِ فِي الْمُحْصَنِ فَإِذَا فُقِدَ الْإِحْصَانُ لَا يُؤَثِّرُ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي حُكْمٍ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ الْجَلْدُ. فَالطُّعْمُ عِلَّةٌ فِي تَحْرِيمِ الثَّلَاثَةِ التَّفَاضُلِ وَالنَّسَاءِ وَالتَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ إذَا كَانَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ. أَمَّا إذَا كَانَ فِي جِنْسَيْنِ فَيُؤَثِّرُ فِي النَّسَاءِ وَالتَّفَرُّقِ فَقَطْ. فَمُطْلَقُ الطُّعْمِ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. وَعِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ فَعِلِّيَّتُهُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لَكِنْ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا بِشَرْطٍ وَفِي اثْنَيْنِ بِغَيْرِ شَرْطٍ. وَعِنْدَ هَذَا أَذْكُرُ تَقْسِيمًا فِي مُطْلَقِ الْعُقُودِ. وَهِيَ