ج / 10 ص -59- الْوَهَّابِ هَذَا جَوَابًا عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه"إنَّ تَقَارُبَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ أَشَدُّ مِنْ تَقَارُبِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَقَالَ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَرَجَّحُوا مَعَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ مَذْهَبَهُمْ بِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْعَدُ عَنْ الرِّبَا."
والجواب عَنْ أَثَرِ مَعْمَرٍ أَنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ تَوَرُّعًا وَخَشْيَةَ أَنْ يُضَارِعَهُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمَا صِنْفَانِ، وَجَوَازُ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمَا فَلَا وَجْهَ لِلْمُضَارَعَةِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ الشُّبْهَةِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّوأما: الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ وَمُعَيْقِيبٍ فَمُنْقَطِعَانِ.
وأما الْأَثَرُ عَنْ سَعْدٍ فَعَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ سَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ كَمَا فَعَلَ مَعْمَرٌ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدًا سُئِلَ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ فَقَالَ سَعْدٌ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ الْبَيْضَاءُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ. فَقَدْ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: عَنْهُ فِي الْأُمِّ فَقَالَ فِي بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ عَلَى الْحَدِيثِ: رَأْيُ سَعْدٍ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَرِهَ الْبَيْضَاءَ بِالسُّلْتِ1 فَإِنْ كَانَ كَرِهَهَا نَسِيئَةً فَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبِهِ نَأْخُذُ وَلَعَلَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - كَرِهَهَا لِذَلِكَ وَإِنْ كَرِهَهَا مُتَفَاضِلَةً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَجَازَ الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا فَلَيْسَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ حُجَّةٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه لَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ وَفِيهِ تَسْلِيمٌ أَنَّ الْبَيْضَاءَ بِالسُّلْتِ هِيَ الْبُرُّ بِالشَّعِيرِ.
وَقَدْ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّ السُّلْتَ حَبَّةٌ بَيْضَاءُ مُضَرَّسَةٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يُسَمُّونَ جِنْسًا مِنْ الشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ السُّلْتَ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ أَنَّ سَعْدًا سُئِلَ عَنْ السُّلْتِ بِالذُّرَةِ فَكَرِهَهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْحَرْبِيُّ مَعَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُبَيِّنُ أَنَّ الْبَيْضَاءَ وَالسُّلْتَ الَّذِينَ، سُئِلَ عَنْهُمَا سَعْدٌ نَوْعَانِ مِنْ الشَّعِيرِ، لَا سِيَّمَا وَسَعْدٌ كَانَ بِالْعِرَاقِ فَيُحْمَلُ السُّلْتُ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالشَّعِيرِ مُتَفَاضِلًا، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ كَمَا أَنَّ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ نَوْعَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا مُتَفَاضِلًا لَكِنَّ رِوَايَةَ الْحَرْبِيِّ تَقْتَضِي أَنَّ سَعْدًا كَرِهَ السُّلْتَ بِالذُّرَةِ أَيْضًا، فَلَعَلَّهُ يُطْرِدُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَطْعُومَاتِ، أَوْ يَكُونُ مَذْهَبُهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ مَذْهَبِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، لَكِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ جَعَلَ ذِكْرَ الذُّرَةِ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ مِنْ وَهْمِ وَكِيعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ وَخَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَا فِيهِ: السُّلْتُ بِالذُّرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: السُّلْتُ ضَرْبٌ مِنْ الشَّعِيرِ، قَالَ: وَقِيلَ فِي السُّلْتِ هُوَ الشَّعِيرُ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الشَّعِيرُ الْحَامِضُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: الْبَيْضَاءُ الْحِنْطَةُ وَهِيَ السَّمْرَاءُ. وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، هَذَا قَوْلُ الْهَرَوِيِّ، وَعَنْهُ أَنَّ السُّلْتَ هُوَ حَبٌّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ فِي بَعْضِ نُسَخِ السُّنَنِ الْكَبِيرِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 السلت بضم السين نوع من الشعير لا قشر له. (المطيعي) .