ج / 10 ص -60- بِإِسْنَادِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ تَبَايَعَا بِالسُّلْتِ وَالشَّعِيرِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَالسُّلْتُ هُوَ الشَّعِيرُ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْبَيْضَاءُ نَوْعٌ مِنْ الْبُرِّ أَبْيَضُ اللَّوْنِ، وَفِيهِ رَدَاءَةٌ يَكُونُ بِبِلَادِ مِصْرَ، وَالسُّلْتُ نَوْعٌ غَيْرُ الْبُرِّ وَهُوَ أَدَقُّ1 حَبًّا مِنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَيْضَاءُ هِيَ الرُّطَبُ مِنْ السُّلْتِ، وَالْأَوَّلُ أَعْرَفُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَلْيَقُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ وَعَلَيْهِ يُبْنَى مَوْضِعُ التَّشْبِيهِ مِنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَإِذَا كَانَ الرُّطَبُ مِنْهُمَا جِنْسًا وَالْيَابِسُ جِنْسًا آخَرَ لَمْ يَصِحَّ التَّشْبِيهُ، انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ. فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الْبَيْضَاءَ الرُّطَبُ مِنْ السُّلْتِ فَمَنْعُ سَعْدٍ ظَاهِرٌ كَالرُّطَبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ بَلْ هُوَ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وُلِدَ عَلَى حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ صَحَّ الْقَوْلُ بِذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُعَارِضًا.
وأما: قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ جِنْسًا خَاصًّا، أَوْ كُلَّ مَا يُطْعَمُ، فَإِنْ كَانَ جِنْسًا خَاصًّا أَمَّا الْحِنْطَةُ وَحْدَهَا أَوْ الشَّعِيرُ كَمَا قَدْ يُفْهِمُهُ قَوْلُهُ:"وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ"فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ كُلَّ مَا يُطْعَمُ لَزِمَ أَلَّا يُبَاعَ الْقَمْحُ بِالتَّمْرِ، وَلَا بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ وَلَا أَحَدٌ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ"وَحِينَئِذٍ تَقِفُ الدَّلَالَةُ مِنْ الْحَدِيثِ وَيُحْتَاجُ فِي تَحْقِيقِ كَوْنِهَا جِنْسَيْنِ أَوْ جِنْسًا وَاحِدًا إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ هَذَا الْحَمْلُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ؟ أَوْ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ؟ قُلْتُ: مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَالْمَخْصُوصُ هُوَ مِنْ قَوْلِهِ: بِالطَّعَامِ كَأَنَّهُ قَالَ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ الْمُجَانِسِ لَهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّجَانُسُ فِي اللَّفْظِ يُشْعِرُ بِالتَّجَانُسِ فِي الْمَعْنَى، وَأَمَّا حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَمُتَعَذَّرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْحُكْمَانِ نَهْيَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ عَلَى الْفَهْمِ، وَالْمُوَافِقُ لِبَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهُ هَاهُنَا حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ بَيَانَ وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ.
فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعُمُومُ، كَمَا هُوَ رَأْيُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، فَأَيْضًا لَا إطْلَاقَ وَلَا تَقْيِيدَ، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى التَّخْصِيصِ وإن قلنا: لَا يَعُمُّ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِهِ عَلَى بُعْدٍ، لِأَنَّ إيجَابَ وَصْفٍ فِي مُطْلَقِ مَاهِيَّةٍ لَا يَسْتَدْعِي وُجُوبَهُ فِي كُلِّ أَفْرَادِهَا وَوَجْهُ بُعْدِهِ لَا يَخْفَى.
وأما: مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَتَحْقِيقِ كَوْنِهِمَا جِنْسًا وَاحِدًا تَتَقَارَبُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِمَا، وَالْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرُوهَا فَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ مُخْتَلِفَانِ فِي الصِّفَةِ وَالْخِلْقَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، فَإِنَّ الْقَمْحَ يُوَافِقُ الْآدَمِيَّ وَلَا يُوَافِقُ الْبَهَائِمَ وَالشَّعِيرَ بِالْعَكْسِ، يُوَافِقُ الْبَهَائِمَ وَلَا يُوَافِقُ الْآدَمِيَّ غَالِبًا، وَلَا يَغْلِبُ اقْتِيَاتُهُمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَغْلِبُ اقْتِيَاتُ الشَّعِيرِ فِي مَوْضِعٍ يَعِزُّ الْقَمْحُ فِيهِ، وَهَذِهِ الذُّرَةُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وهو ما يسمى في صعيد مصر بالذرة القيظي لزرعها صيفا فما كان منها أبيض اللون فهو القيظي وما كان منها أصفر إلى سواد فهو العويجة. (المطيعي) .