ج / 10 ص -40- الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ سَلَامَتُهُ مِنْ التَّعْلِيلِ فَنَذْكُرُ الْجَوَابَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. أَمَّا حَدِيثُ أُسَامَةَ فَجَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ يَجْمَعُهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ تَأْوِيلٌ وَادِّعَاءُ نَسْخٍ وَتَرْجِيحٌ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْأَوَّلُ لَا يُعْدَلُ إلَى الثَّانِي وَمَتَى ثَبَتَ مُوجِبُ الثَّانِي لَا يُعْدَلُ إلَى الثَّالِثِ، فَاعْتَمِدْ هَذَا فِي كُلِّ نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَوْجُهَ الَّتِي نُقِلَتْ فِي الْجَوَابِ، مِنْهَا وَجْهَانِ تَضَمَّنَهُمَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خَبَرَ أُسَامَةَ، وَأَخْبَارَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّحْرِيمِ، ذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ: فَأَخَذْنَا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تُوَافِقُ حَدِيثَ عُبَادَةَ، وَكَانَتْ حُجَّتُنَا فِي أَخْذِنَا بِهَا وَتَرْكِنَا حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إذْ كَانَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُهَا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ النَّفْسَ عَلَى حَدِيثِ الْأَكْثَرِ أَطْيَبُ. لِأَنَّهُمْ أَشْبَهُ أَنْ يَحْفَظُوا مِنْ الْأَقَلِّ، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَسَنَّ، وَأَشَدَّ تَقَدُّمَ صُحْبَةٍ مِنْ أُسَامَةَ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَكْثَرَ حِفْظًا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا عَلِمْنَا مِنْ أُسَامَةَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يُخَالِفُ حَدِيثُ أُسَامَةَ حَدِيثَهُمْ؟ قِيلَ: إنْ كَانَ يُخَالِفُهَا فَالْحُجَّةُ فِيهَا دُونَهُ لِمَا وَصَفْنَا فَإِنْ قِيلَ: فَأَنَّى يُرَى هَذَا؟ قِيلَ: اللَّهُ أَعْلَمُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُ عَنْ الرِّبَا فِي صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَتَمْرٍ بِحِنْطَةٍ. قَالَ:"إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ"فَحَفِظَهُ فَأَدَّى قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يُؤَدِّ مَسْأَلَةَ السَّائِلِ، فَكَانَ مَا أَدَّى عِنْدَ مَنْ سَمِعَ أَنْ لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ. هَذَا جَوَابُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّرْجِيحِ وَالتَّأْوِيلِ فَهُمَا جَوَابَانِ يَعْنِي أَنَّهُ إنْ كَانَ حَدِيثُ أُسَامَةَ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ عَنْ صِنْفَيْنِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِبَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ لَا يُخَالِفُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ مُخَالِفًا لَهَا فَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ، وَرِوَايَةُ جَمَاعَةٍ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَجْزِمْ الشَّافِعِيُّ رحمه الله بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ لِأَجْلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَاوِيَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَائِلٌ بِهِ.
وَرَوَى الْحَاوِي كَلَامَ الشَّافِعِيِّ بِأَبْسَطَ مِمَّا فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ يُبَيِّنُ مَا شَرَحْت بِهِ كَلَامَهُ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ: إنَّهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ، بَلْ إجْمَاعُ النَّاسِ - مَا عَدَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ.
الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسَيْنِ، الْوَاحِدُ يَجُوزُ التَّمَاثُلُ فِيهِ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ نَسَاءً، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
الْجَوَابُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ، كَبَيْعِ الدَّيْنِ، بِالدَّيْنِ مُؤَجَّلًا، بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ نَقْدٌ مَوْصُوفٌ، فَيَبِيعَهُ بِعَرْضٍ مَوْصُوفٍ مُؤَجَّلًا. ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ، أَوْضَحُهَا وَأَشْهُرُهَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ حَمْلِهِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهُ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ عِنْدَهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ عَامًا، وَيُحْمَلُ عَلَى الْخُصُوصِ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِيهِ أَيُّ دَلِيلٍ كَانَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.