ج / 10 ص -12- الْمَذْهَبُ . وأما: قَوْلُهُ: أَصَحُّهُمَا اللُّزُومُ فَيُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَلْزَمُ أَنَّهُ الْأَصَحُّ مُطْلَقًا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ أَصَحَّ مِنْهُ. واعلم: أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَكَذَلِكَ الشَّارِحُ فِي هَذَا الْفَصْلِ نَقَلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ. وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ مُرَادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَقْدَ؟ أَمْ تَلْغُو الْإِجَارَةُ؟ وَأَنَّ عَدَمَ بُطْلَانِ الْعَقْدِ صَادِقٌ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ. لَكِنْ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ بَيَّنَا ذَلِكَ صَرِيحًا فَقَالَا: وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ بِذَلِكَ وَلَا يَبْطُلُ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَكَلَامُ سُلَيْمٍ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ أَصْرَحُ، وَقَوْلُ سُلَيْمٍ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ هُوَ الْمَذْهَبُ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا رَأَيْتُهَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فَمَنْ بَعْدَهُ، وَلِأَجْلِ إجْمَالِ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي النَّقْلِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ حَصَلَ الْتِبَاسٌ عَلَى شَيْخِنَا ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ، فَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ كَقَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ والأصح: عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَعِنْدَهُمْ احْتِمَالٌ كَمَذْهَبِنَا وأما مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا تَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمَا، لِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ.
تَوْجِيهُ كُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ
أَمَّا الْقَوْلُ بِإِلْغَاءِ الْإِجَارَةِ فَقَدْ اسْتَدَلَّ لَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَقَصِّي عَلْقَةِ الْعَقْدِ، وَبَقَاءُ الْقَبْضِ يَمْنَعُ مِنْ تَقَصِّي عَلْقِهِ فَمَنَعَ مِنْ اخْتِيَارِ إمْضَائِهِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهَذَا حَسَنٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْ سَبْقَ تَقَصِّي عَلْقِهِ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَاصِلٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَمِنْ جُمْلَةِ الْعَلَقِ الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيِّ، وَلَا تَتَوَقَّفُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَتَخْصِيصُ مَحَلِّ النِّزَاعِ دُونَ غَيْرِهِ تَحَكُّمٌ، ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ"يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْخِيَارَ يَبْقَى بَعْدَ التَّخَايُرِ كَانَ مُخَالِفًا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ، بَلْ وَلِمَنْطُوقِهِ عَلَى رَأْيِي، فَإِنَّ فِيهِ: فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَالشَّافِعِيُّ رضي الله عنه يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى التَّخَايُرِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَاقْتَضَى أَنَّ التَّخَايُرَ مُوجِبٌ لِلْعَقْدِ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وأما قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَقَدْ وُجِدَ، وَإِلْحَاقُ التَّخَايُرِ بِالتَّفَرُّقِ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ مَمْنُوعٌ. وَاَلَّذِي ثَبَتَ مِنْ الشَّرْعِ مُسَاوَاةُ التَّخَايُرِ لِلتَّفَرُّقِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ لَا مُطْلَقًا، فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ"الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ"وَدَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ الْعَقْدِ بِالتَّخَايُرِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ عُقُودِ الرِّبَا وَغَيْرِهَا.
قَالَتْ الْحَنَابِلَةُ: اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْلَ اللُّزُومِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، لَمْ يَبْطُلْ بِمَا إذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الصَّرْفِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لَازِمًا صَحِيحًا قَبْلَ الْقَبْضِ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ. وَنَحْنُ نَمْنَعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي مَذْهَبِنَا، وَمَنْ أَثْبَتَ الْقَوْلَ الذَّاهِبَ إلَى ذَلِكَ وَأَجْرَى ذَاكَ فِي عُقُودِ الرِّبَا وَالسَّلَمِ اسْتَحَالَ الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّخَايُرَ مُبْطِلٌ.