ج / 10 ص -13- واعلم أَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ ذَاكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: أَعْنِي صِحَّةَ اشْتِرَاطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ مُوَافِقٍ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِي مَسْأَلَتِنَا هُنَا وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي فِي عُقُودِ الرِّبَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَحِينَئِذٍ أَقُولُ فِي تَوْجِيهِ مَا اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: إنَّ الدَّلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"يَدًا بِيَدٍ"وَهَذَا اللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ يُعْطِي بِيَدٍ وَيَأْخُذُ بِأُخْرَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لَهُ، لَكِنَّا خَرَجْنَا عَنْ ذَلِكَ. لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ لَمَّا صَرَفَ مِنْ طَلْحَةَ"لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ"فَجَعَلْنَا ذَلِكَ مَنُوطًا بِالتَّفَرُّقِ وَلَيْسَ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ لِذَاتِهِ، بَلْ لِمَعْنًى يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كِلَاهُمَا بِهَذَا اللَّفْظِ. اقْتَضَى الْحَدِيثُ تَنْزِيلَ الْعَقْدِ الَّذِي لَمْ يَلْزَمْ بِالتَّفَرُّقِ أَوْ التَّخَايُرِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، وَأَنَّهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ أَوْ الْخِيَارِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَ الْقَبْضُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ وُجِدَ فِي وَقْتٍ كَأَنَّهُ لَمْ تَتَكَامَلْ حَقِيقَةُ الْعَقْدِ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْقَبْضَ الْوَاقِعَ وَقْتَ الْعَقْدِ، بِأَنْ يُعْطِيَ بِيَدٍ وَيَأْخُذَ بِأُخْرَى، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"يَدًا بِيَدٍ"بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ اللُّزُومِ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، فَلَا مَعْنَى لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَا أَنَّ التَّقَابُضَ قَبْلَهُ مُطْلَقًا كَافٍ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ التَّحْرِيمُ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا تَعَارَضَ مَا يَقْتَضِي إلْحَاقَ التَّخَايُرِ بِالتَّفَرُّقِ، وَمَا يَقْتَضِي عَدَمَهُ، تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَحْصُلْ تَعَارُضٌ؟ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ صَحَّ الْعَقْدُ، وَلَا عَلَى جَعْلِ التَّفَرُّقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَظِنَّةٌ بَلْ شَرْطٌ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ، وَالْعَقْدُ بِالتَّخَايُرِ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَتَقَدُّمُ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى شَرْطِهِ مُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا مَا قَبْلَ التَّخَايُرِ فَالصِّحَّةُ الْمَحْكُومُ بِهَا كَلَا صِحَّةٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَكَذَلِكَ اُكْتُفِيَ بِالْقَبْضِ فِيهَا، وَأَيْضًا فَالتَّفَرُّقُ اُعْتُبِرَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَامُلِ الرِّضَا، وَالتَّخَايُرُ الْمُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَوْلَى.
فَإِنْ قُلْتَ: التَّخَايُرُ قَبْلَ التَّقَابُضِ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ وَهُوَ اللُّزُومُ كَمَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَجَبَ أَنْ يَلْغُو وَيَبْقَى الْخِيَارُ بِحَالِهِ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، فَالْحُكْمُ بِكَوْنِهِ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ بَعِيدٌ قُلْت: بُطْلَانُ الْعَقْدِ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ التَّخَايُرِ، بَلْ عَنْ عَدَمِ التَّقَابُضِ، وَالتَّخَايُرُ مُبَيِّنٌ لَنَا غَايَةَ الْوَقْتِ الَّذِي اُشْتُرِطَ فِيهِ التَّقَابُضُ كَالتَّفَرُّقِ، فَالتَّخَايُرُ قَاطِعٌ لِلْمَجْلِسِ حَقِيقَةً، لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الرِّضَا الْكَامِلِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ لُزُومُ الْعَقْدِ عَنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
التَّفْرِيعُ: إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ فَتَقَابَضَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَقَدْ تَمَّ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالتَّخَايُرِ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَهَلْ يَأْثَمَانِ بِذَلِكَ؟ جَزَمَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَالنَّوَوِيُّ رحمه الله تعالى: فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْخِيَارِ أَنَّهُ بِاللُّزُومِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ، وَأَنَّهُمَا إنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَعْدَ اللُّزُومِ وَلَا يَعْصِيَانِ إنْ كَانَ تَفَرُّقُهُمَا عَنْ تَرَاضٍ وَإِنْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَعَصَى بِانْفِرَادِهِ بِمَا يُضْمِرُ فَسْخَ الْعَقْدِ وَاسِقَاطَ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ، وَمَا جَزَمُوا