ج / 9 ص -306- فَإِنْ تَبَايَعَا وَتَخَايَرَا فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الْبَيْعُ لِأَنَّ التَّخَايُرَ كَالتَّفَرُّقِ، وَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الْعَقْدُ، فَكَذَلِكَ إذَا تَخَايَرَا، وَإِنْ تَبَايَعَا دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فِي الذِّمَّةِ وَتَقَابَضَا ثُمَّ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَ عَيْبًا - نَظَرَتْ فَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا - جَازَ أَنْ يَرُدَّ وَيُطَالِبَ بِالْبَدَلِ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ قَبَضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَإِنْ تَفَرَّقَ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أحدهما: يَجُوزُ إبْدَالُهُ لِأَنَّ مَا جَازَ إبْدَالُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ بَعْدَهُ، كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ. والثاني: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ لِأَنَّهُ إذَا أَبْدَلَهُ صَارَ الْقَبْضُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحَرَّمُ فِيهِمَا الرِّبَا بِعِلَّتَيْنِ كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالذَّهَبِ وَالشَّعِيرِ بِالْفِضَّةِ حَلَّ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ إسْلَامِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْمَكِيلَاتِ الْمَطْعُومَةِ.
الشرح: حَدِيثُ عُبَادَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالنَّسَائِيُّ - بِالْمَدِّ - التَّأْجِيلُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: إذَا بَاعَ مَالًا رِبَوِيًّا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَبِيعَهُ بِجِنْسِهِ فَيُحَرَّمُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، التَّفَاضُلُ، وَالنَّسَاءُ، وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ.
الثَّانِي: أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ لَكِنَّهُمَا مِمَّا يُحَرَّمُ فِيهِمَا الرِّبَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَالذَّهَبِ1 وَالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالْمِلْحِ وَالزَّيْتِ بِالْعَسَلِ فَيَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ.
وَحَيْثُ شَرَطْنَا التَّقَابُضَ فَمَعْنَاهُ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَطُولَ مَقَامُهُمَا فِي مَجْلِسِهِمَا، وَلَا بَأْسَ أَيْضًا بِطُولِهِ مُتَمَاشِيَيْنِ وَإِنْ طَالَ مَشْيُهُمَا وَتَبَاعَدَا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ ثُمَّ تَقَابَضَا قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا فَيَصِحُّ الْبَيْعُ لِعَدَمِ افْتِرَاقِهِمَا. وَلَوْ بَاعَهُ دِينَارًا فِي الذِّمَّةِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ وَوَصَفَ الْجَمِيعَ أَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ نَقْدٌ غَالِبٌ وَلَمْ يَكُنْ الْعِوَضَانِ حَاضِرَيْنِ ثُمَّ أَرْسَلَا مَنْ أَحْضَرَهُمَا أَوْ ذَهَبَا مُجْتَمَعَيْنِ إلَيْهِمَا وَتَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ صَحَّ الْبَيْعُ وَسَلِمَا مِنْ الرِّبَا.
وَلَوْ وَكَّلَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِي الْقَبْضِ وَحَصَلَ الْقَبْضُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْعَاقِدَيْنِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَمَتَى تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَحَصَلَ الْقَبْضُ بَطَلَ الْعَقْدُ وَيَأْثَمَانِ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْأَصْحَابُ: يَكُونُ هَذَا رِبًا جَارِيًا مَجْرَى بَيْعِ الرِّبَوِيِّ نَسِيئَةً، وَلَا يَكْفِيهِمَا تَفَرُّقُهُمَا فِي مَنْعِ الْإِثْمِ، وَإِنْ كَانَ يَبْطُلْ كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ مَعَ التَّفَاضُلِ بَاطِلٌ وَيَأْثَمَانِ بِهِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَأَرَادَا أَنْ يَتَفَرَّقَا لَزِمَهُمَا أَنْ يَتَفَاسَخَا الْعَقْدَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ، لِئَلَّا يَأْثَمَا، وَإِنْ قَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، وَفِي بُطْلَانِهِ فِي الْمَقْبُوضِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 لعله كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير إلخ وانظر أين الثالث (ط) .