ج / 9 ص -305- فرع: مَذْهَبُنَا جَوَازُ بَيْعِ ثَوْبٍ بِثَوْبَيْنِ، وَثِيَابٍ مِنْ جِنْسِهِ حَالًا وَمُؤَجَّلًا وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ [وَقَالَ] لَا رِبَا فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا، كَالْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يُكَالُ فِي الْعَادَةِ، قَالَ: وَكَذَا لَا رِبَا فِي الْبِطِّيخِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْبَيْضِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ وَسَائِرِ الْفَوَاكِهِ الَّتِي تُبَاعُ عَدَدًا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِ السَّابِقَةِ أَنَّهُ لَا رِبَا فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ثُبُوتُ الرِّبَا فِي كُلِّ ذَلِكَ لِعُمُومِ النُّصُوصِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا.
فرع: يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا كَبَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ وَشَاةٍ بِشَاتَيْنِ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، سَوَاءٌ كَانَ يَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ وَالنِّتَاجِ أَمْ لِلْأَكْلِ خَاصَّةً. هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ، وَلَا بِبَعِيرٍ، إذَا كَانَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدَهُمَا لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلذَّبْحِ كَالْكَسِيرِ وَالْحَطِيمِ وَنَحْوِهِمَا، لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا اللَّحْمُ، فَهُوَ كَبَيْعِ لَحْمٍ جُزَافًا أَوْ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ، دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ السَّابِقَةُ فِي بَيْعِ بَعِيرٍ بِبَعِيرَيْنِ وَأَبْعِرَةٍ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ بَيْعِ كُلِّ مَا لَيْسَ مَطْعُومًا وَلَا ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَمُؤَجَّلًا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحْرُمُ التَّأْجِيلُ فِي بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مِنْ أَيِّ مَالٍ كَانَ، لِحَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ نَسِيئَةً"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً".
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ السَّابِقَةِ فِي بَيْعِ الْإِبِلِ بِالْإِبِلِ مُؤَجَّلَةً، وَلِأَنَّهَا عِوَضَانِ لَا تَجْمَعُهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا يَحْرُمُ فِيهِمَا النَّسَاءُ كَمَا لَوْ بَاعَ ثَوْبَ قُطْنٍ بِثَوْبِ حَرِيرٍ إلَى أَجَلٍ، وَلِأَنَّهُ لَا رِبَا فِيهِ نَقْدًا فَكَذَا النَّسِيئَةُ وَالْجَوَابُ: عَنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: جَوَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ لَا يُثْبِتُونَ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ. والثاني: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ فِي الْعِوَضَيْنِ، فَيَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَذَلِكَ فَاسِدٌ كَمَا سَبَقَ.
وَالْجَوَابُ: عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، فَقَدْ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَأَمَّا مَا يُحَرَّمُ فِيهِ الرِّبَا فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِجِنْسِهِ حُرِّمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ، لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".
فَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ - نَظَرَتْ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحَرَّمُ الرِّبَا فِيهِمَا لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ - جَازَ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَحُرِّمَ فِيهِ النَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".