ج / 9 ص -298- وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"مَكَثْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَمَانًا مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ"1 رَوَاهُ وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّهُمَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا وقولهم: أَصْلُ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَذْهَبُ دَاوُد أَنَّهَا عَلَى الْوَقْفِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عِنْدَنَا كَوْنُهُمَا جِنْسَ الْأَثْمَانِ غَالِبًا، قَالَ أَصْحَابُنَا: قَوْلُنَا: غَالِبًا احْتِرَازٌ مِنْ الْفُلُوسِ إذَا رَاجَتْ رَوَاجَ النُّقُودِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَوَانِي وَالتِّبْرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَهِيَ الَّتِي نَقَلَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: الْعِلَّةُ كَوْنُهُمَا قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَمَعَهُمَا، قَالَ: وَكُلُّهُ قَرِيبٌ، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ بِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْأَشْيَاءِ، وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالُوا: لِأَنَّ الْأَوَانِيَ وَالتِّبْرَ وَالْحُلِيَّ يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا، وَلَيْسَ مِمَّا يُقَوَّمُ بِهَا وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ أَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا فِيهِمَا بِعَيْنِهِمَا لَا لِعِلَّةٍ، حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.
فرع: إذَا رَاجَتْ الْفُلُوسُ رَوَاجَ النُّقُودِ لَمْ يُحَرَّمْ الرِّبَا فِيهَا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يُحَرَّمُ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وأما مَا سِوَاهَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَالْغَزْلِ وَغَيْرِهَا فَلَا رَبَا فِيهَا عِنْدَنَا، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَمُؤَجَّلًا، وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عِنْدَنَا إلَّا وَجْهًا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ الْأَوْدَنِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَالٍ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، سَوَاءٌ كَانَ مَطْعُومًا أَوْ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْأَرْبَعَةُ فَفِيهَا قَوْلَانِ قَالَ: فِي الْجَدِيدِ: الْعِلَّةُ فِيهَا أَنَّهَا مَطْعُومَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى مَعْمَرُ2 بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"وَالطَّعَامُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُتَطَعَّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:"وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ"وَأَرَادَ بِهِ الذَّبَائِحَ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها:"مَكَثْنَا مَعَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم سَنَةً مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا الْأَسْوَدَانِ الْمَاءُ وَالتَّمْرُ"وَقَالَ لَبِيدٌ:
لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنَازُعُ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَوَاسِبُ مَا يُمَنُّ طَعَامُهَا
وَأَرَادَ بِهِ الْفَرِيسَةَ وَالْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ عَلَى اسْمٍ مُشْتَقٍّ كَانَ ذَلِكَ عِلَّةً فِيهِ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْحَدِّ فِي الزِّنَا، وَلِأَنَّ الْحَبَّ مَا دَامَ مَطْعُومًا يُحَرَّمُ فِيهِ الرِّبَا، فَإِذَا زُرِعَ وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَطْعُومًا لَمْ يُحَرَّمْ فِيهِ الرِّبَا، فَإِذَا انْعَقَدَ الْحَبُّ وَصَارَ مَطْعُومًا حُرِّمَ فِيهِ الرِّبَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 بياض بالأصل قلت رواه ابن ماجه في"سننه"عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بلفظ: إن كنا آل محمد لنمكث شهرا ما توقد فيه نار ما هو إلا الثمر والماء.
2 معمر بن عبد الله بن نافع بن نضلة العدوي وهو ابن أبي معمر صحابي كبير من مهاجرة الحبشة روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه رصي الله عنه (ط) .