فهرس الكتاب

الصفحة 3298 من 4102

ج / 9 ص -297- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ إسْلَامُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ بِالْإِجْمَاعِ، كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ فَلَوْ كَانَ الْوَزْنُ عِلَّةً لَمْ يَجُزْ كَمَا لَا يَجُوزُ إسْلَامُ الْحِنْطَةِ فِي الشَّعِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ فِي الدَّنَانِيرِ، وَلِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمَضْرُوبِ مِنْ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ الْوَزْنَ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قَالُوا:"خَرَجَتْ بِالضَّرْبِ عَنْ كَوْنِهَا مَوْزُونَةً قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ."

وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ حَدِيثِهِمْ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا: جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ قَالَ: قَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ مِنْ كَلَامِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ الثَّانِي: جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَآخَرِينَ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّ الْمِيزَانَ نَفْسَهُ لَا رِبَا فِيهِ وَأَضْمَرْتُمْ فِيهِ الْمَوْزُونَ وَدَعْوَى الْعُمُومِ فِي الْمُضْمَرَاتِ لَا يَصِحُّ الثَّالِثِ: أَنَّهُ يُحْمَلُ الْمَوْزُونُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِمْ: لَا فَائِدَةَ فِي الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ بِأَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِهَا، فَإِنَّ الْعِلَلَ أَعْلَامٌ نَصَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَحْكَامِ، مِنْهَا مُتَعَدِّيَةٌ، وَمِنْهَا غَيْرُ مُتَعَدِّيَةٍ، إنَّمَا يُرَادُ مِنْهَا بَيَانُ حِكْمَةِ النَّصِّ لَا الِاسْتِنْبَاطُ، وَإِلْحَاقُ فَرْعٍ بِالْأَصْلِ كَمَا أَنَّ الْمُتَعَدِّيَةَ عَامَّةُ التَّعَدِّي وَخَاصَّتُهُ. ثُمَّ لِغَيْرِ الْمُتَعَدِّيَةِ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْحُكْمَ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا، فَلَا تَطْمَعُ فِي الْقِيَاسِ والثانية: أَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ مَا يُشَارِكُ الْأَصْلَ فِي الْعِلَّةِ فَيَلْحَقُ بِهِ، وَأَجَابُوا عَنْ الْفُلُوسِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَنَا كَوْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جِنْسَ الْأَثْمَانِ غَالِبًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَثْمَانًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

فرع: وأما دَاوُد وَمُوَافِقُوهُ فَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: من الآية275] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: من الآية29] وَبِأَنَّ أَصْلَ الِاسْتِثْنَاءِ الْإِبَاحَةُ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ"كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ"رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُزَابَنَةِ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ ثَمَرَ حَائِطِهِ إنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: الطَّعَامُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى طَعَامًا فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَصَّهُ بِالْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ قُلْنَا: ذِكْرُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ لَيْسَ تَخْصِيصًا عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنْ قِيلَ: الطَّعَامُ مَخْصُوصٌ بِالْحِنْطَةِ قُلْنَا: هَذَا غَلَطٌ، بَلْ هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ مَا يُؤْكَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: من الآية93] قَالَ تَعَالَى: {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس:24] إلَى قوله تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} [عبس:27] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} [البقرة: من الآية249] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ إسْلَامِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُك؟ قُلْت: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إلَّا مَاءَ زَمْزَمَ فَسَمِنْت حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي قَالَ: إنَّهَا مُبَارَكَةٌ إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت