فهرس الكتاب

الصفحة 3297 من 4102

ج / 9 ص -296- الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِيهِمَا الرِّبَا لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ أَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، فَيَحْرُمُ الرِّبَا فِيهِمَا، وَلَا يَحْرُمُ فِيمَا سِوَاهُمَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الرِّبَا لِمَعْنًى يَتَعَدَّاهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمَعْنًى يَتَعَدَّاهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا لَمْ يَجُزْ إسْلَامُهُمَا فِيمَا سِوَاهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ جَمَعَتْهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّبَا لَا يَجُوزُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَلَمَّا جَازَ إسْلَامُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِمَا لِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّاهُمَا، وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ.

الشرح: حَدِيثُ عُبَادَةَ رضي الله عنه رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا فَقَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَسَائِرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالشِّيعَةُ وَالْكَاسَانِيُّ وَسَائِرُ ثِقَاتِ النَّاسِ لَا تَحْرِيمَ فِي الرِّبَا فِي غَيْرِهَا، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ طَاوُسٍ وَمَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَتَوَقَّفُ تَحْرِيمُ الرِّبَا عَلَيْهَا بَلْ يَتَعَدَّى إلَى مَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي السُّنَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا.

فَأَمَّا: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَالْعِلَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا كَوْنُهُمَا جِنْسَ الْأَثْمَانِ غَالِبًا، وَهَذِهِ عِنْدَهُ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَيْهِمَا لَا تَتَعَدَّاهُمَا، إذْ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْعِلَّةُ فِيهِمَا الْوَزْنُ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَأُلْحِقَ بِهِمَا كُلُّ مَوْزُونٍ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ، وَكُلِّ مَا يُوزَنُ فِي الْعَادَةِ، وَوَافَقَ أَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ الرِّبَا فِي مَعْمُولِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنَّمَا يُحَرَّمُ فِي التِّبْرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِمَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ.

وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنهم أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكُلُّ ثَمَرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. إنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا قِيمَتَهُ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا: يَعْنِي وَكَذَلِكَ الْمَوْزُونُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَوْزُونٍ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ قَالُوا: وَلِأَنَّ عِلَّتَكُمْ قَاصِرَةٌ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَدَّى الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَهُمَا الْأَصْلُ الَّذِي اسْتَنْبَطْتُمْ مِنْهُ الْعِلَّةَ، وَعِنْدَكُمْ فِي الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ:

أحدهما: أَنَّهَا فَاسِدَةٌ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهَا، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ قَدْ عَرَفْنَاهُ وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الْعِلَّةِ أَنْ يَلْحَقَ بِالْأَصْلِ غَيْرُهُ.

والوجه الثاني: أَنَّ الْقَاصِرَةَ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَدِيَةَ أَوْلَى، قَالُوا: فِعْلَتُكُمْ مَرْدُودَةٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ حُكْمَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ. قَالُوا: وَلِأَنَّ عِلَّتَكُمْ قَدْ تُوجَدُ وَلَا حُكْمَ، وَقَدْ يُوجَدُ الْحُكْمُ وَلَا عِلَّةَ كَالْفُلُوسِ بِخُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهَا أَثْمَانٌ وَلَا رِبَا فِيهَا عِنْدَكُمْ والثاني: كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُحَرَّمُ الرِّبَا فِيهَا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَثْمَانًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت