ج / 9 ص -284- الزَّكَاةُ وَالثِّمَارُ مِمَّا يَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا بِالْأَجْزَاءِ.
فإن قلنا: يُمْسِكُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ وإن قلنا: يُمْسِكُ بِحِصَّتِهِ، فَهَلْ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
أحدهما: أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ، لِأَنَّهُ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي.
والثاني: لَا خِيَارَ لَهُ، لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ بِثَمَنٍ وَإِنْ بَاعَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا فإن قلنا: لَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا وإن قلنا: تُفَرَّقُ، وَقُلْنَا: إنَّهُ يُمْسِكُ الْجَائِزَ بِحِصَّتِهِ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِ، لِأَنَّ الَّذِي يَخُصُّهُ مَجْهُولٌ وإن قلنا: يُمْسِكُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ.
وَإِنْ جُمِعَ بَيْنَ حَلَالَيْنِ ثُمَّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِ، وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أحدهما: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، لِأَنَّ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَوْجُودِ فِي حَالِ الْعَقْدِ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَالْمَوْجُودِ فِي حَالِ الْعَقْدِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
والثاني: لَا يَبْطُلُ إلَّا فِيمَا تَلِفَ لِأَنَّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إنَّمَا بَطَلَ لِلْجَهْرِ بِالْعِوَضِ، أَوْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِي الْعَقْدِ، وَلَا يُوجَدُ هَهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ الصَّفْقَةُ، فَإِنْ أَمْضَاهُ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْعِوَضَ هَهُنَا قَابَلَ الْمَبِيعَيْنِ فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالْهَلَاكِ.
الشَّرْحُ: تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ بَابٌ مُهِمٌّ يَكْثُرُ تَكَرُّرُهُ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَالْفَتَاوَى فِيهِ، فَأَنَا أُلَخِّصُ مَقَاصِدَهُ وَأُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا جَمَعَتْ الصَّفْقَةُ شَيْئَيْنِ فَهُوَ ضَرْبَانِ:
أحدهما: أَنْ تَجْمَعَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا والثاني: أَنْ تَجْمَعَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا الضَّرْبُ لَهُ حَالَانِ:
أحدهما: يَقَعُ التَّفْرِيقُ فِي الِابْتِدَاءِ والثاني: فِي الِانْتِهَاءِ، فَالْحَالُ الْأَوَّلُ يُنْظَرُ فِيهِ إنْ جَمَعَ فِيهِ شَيْئَيْنِ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ هُوَ جَمْعٌ، كَجَمْعِ أُخْتَيْنِ أَوْ خَمْسِ نِسْوَةٍ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ فِي الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ مَا لَا يَمْتَنِعُ جَمْعُهُمَا، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَابِلًا لِلْعَقْدِ، بِأَنْ جَمَعَ عَيْنَيْنِ لَهُ كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ، أَوْ جِنْسٍ لَكِنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْقِيمَةِ كَعَبْدَيْنِ، وَزَّعَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ مُتَّفِقَيْ الْقِيمَةِ، كَقَفِيزَيْ حِنْطَةٍ وَاحِدَةٍ وَزَّعَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَابِلًا لِلْبَيْعِ دُونَ الْآخَرِ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ، فَاَلَّذِي لَيْسَ قَابِلًا لِلْبَيْعِ قِسْمَانِ:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ مُتَقَوِّمًا، كَمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي عَبْدِ