ج / 9 ص -283- بَابُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ
الصَّفْقَةُ هِيَ عَقْدُ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يَضْرِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَدَهُ عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ عِنْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: إذَا جَمَعَ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَعَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أحدهما: تُفَرَّقُ الصَّفْقَةِ فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيمَا لَا يَجُوزُ، وَيَصِحُّ فِيمَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إبْطَالُهُ فِيهِمَا لِبُطْلَانِهِ فِي أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ تَصْحِيحِهِ فِيهِمَا لِصِحَّتِهِ فِي أَحَدِهِمَا، فَبَطَلَ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَبَقِيَا عَلَى حُكْمِهِمَا، فَصَحَّ فِيمَا يَجُوزُ وَبَطَلَ فِيمَا لَا يَجُوزُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تُفَرَّقُ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِلَّتِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَبْطُلُ لِأَنَّ الْعَقْدَ جَمَعَ حَلَالًا وَحَرَامًا فَغَلَبَ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ أَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَبْطُلُ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ حُرًّا وَعَبَدَا بِأَلْفٍ، سَقَطَ مَا يَخُصُّ الْحُرَّ مِنْ الثَّمَنِ فَيَصِيرُ الْعَبْدُ مَبِيعًا بِمَا بَقِيَ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ فِي حَالِ الْعَقْدِ، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِحِصَّتِهِ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ فإن قلنا: بِالتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيمَا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ فِيهِ عَلَى الْقِيمَةِ، كَالْعَبْدَيْنِ، وَفِيمَا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ فِيهِ عَلَى الْأَجْزَاءِ كَالْعَبْدِ الْوَاحِدِ ; نِصْفُهُ لَهُ وَنِصْفُهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ كُرَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ أَحَدُهُمَا لَهُ وَالْآخَرُ لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ فِي الرَّهْنِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ النِّكَاحِ، بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
وإن قلنا: إنَّ الْعِلَّةَ جَهَالَةُ الْعِوَضِ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ، فِيمَا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ فِيهِ عَلَى الْأَجْزَاءِ لِأَنَّ الْعِوَضَ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَالْهِبَةُ لِأَنَّهُ لَا عِوَضَ فِيهِ، وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالْعِوَضِ لَا يُبْطِلُهُ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِيهِمَا، رَدَّ الْمَبِيعَ وَاسْتَرْجَعَ الثَّمَنَ.
وإن قلنا: إنَّهُ يَصِحُّ فِي أَحَدِهِمَا فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَبَيْنَ إمْضَائِهِ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ فَبِكَمْ يُمْسِكُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يُمْسِكُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ يَرُدُّ، لِأَنَّ مَا لَا يُقَابِلُ الْعَقْدَ لَا ثَمَنَ لَهُ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ كُلُّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْآخَرِ والثاني: أَنَّهُ يُمْسِكُهُ بِقِسْطِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ جَمِيعَ الْعِوَضِ إلَّا فِي مُقَابِلَتِهِمَا، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جَمِيعُهُ فِي مُقَابِلَةِ أَحَدِهِمَا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ فِيمَا يَتَقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ، فَأَمَّا مَا يَتَقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَيْهِ بِالْأَجْزَاءِ فَإِنَّهُ يُمْسِك الْبَاقِي بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ فِيمَا يَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ مَا يَخُصُّ الْجَائِزَ مَجْهُولٌ، فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَتِهِ لِيَصِيرَ مَعْلُومًا، وَفِيمَا يَتَقَسَّطُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ بِالْأَجْزَاءِ مَا يَخُصُّ الْجَائِزَ مَعْلُومٌ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى أَنْ نَجْعَلَ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَتِهِ وَمِنْهُمْ: مَنْ قَالَ: الْقَوْلَانِ فِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُخْرَجَ