ج / 9 ص -272- فرع: لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً حَامِلًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَوَلَدَتْ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، فَهَلْ يَتْبَعُهَا الْوَلَدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ الأصح: لَا يَتْبَعُهَا، قَالَ الدَّارِمِيُّ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ حُكْمًا فَلَا يَتْبَعُهَا.
فرع: لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُ هَذَا الْبَيْعِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَيْنِ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ.
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا صِحَّةُ السَّبِيعِ وَالشَّرْطِ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو ثَوْرٍ: الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ، لَكِنْ لَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ لَزِمَهُ الثَّمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِالْقِيمَةِ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي مِلْكًا ضَعِيفًا كَمَا قَالُوا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَبِحَدِيثِ"كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ"وَسَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ رضي الله عنهما، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لَهَا فِي شِرَائِهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَإِنْ قِيلَ:"إنَّمَا كَانَ بِشَرْطِ الْوَلَاءِ قلت: وَالْوَلَاءُ يَتَضَمَّنُ اشْتِرَاطَ الْعِتْقِ فَإِنْ قِيلَ: فَبَرِيرَةُ كَانَتْ مُكَاتَبَةً. وَالْمُكَاتَبُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ قُلْنَا: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا عَجَّزَتْ نَفْسَهَا وَفَسَخَ أَهْلُهَا الْكِتَابَةَ وَلِأَنَّ لِلْعِتْقِ قُوَّةَ سِرَايَةٍ فَاحْتَمَلَ اشْتِرَاطُهُ فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وأما الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ احْتَجُّوا بِهِمَا فَعَامَّانِ مَخْصُوصَانِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ."
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَإِنْ شَرَطَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ بِأَنْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ أَوْ لَا يُعْتِقَهُ، أَوْ بَاعَ دَارًا بِشَرْطِ أَنْ يَسْكُنَهَا مُدَّةً، أَوْ ثَوْبًا بِشَرْطِ أَنْ يَخِيطَهُ لَهُ أَوْ فِلْعَةً بِشَرْطِ أَنْ يَحْذُوَهَا لَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ"وَرُوِيَ"أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ: أَنَّك إنْ بِعْتهَا فَهِيَ لِي بِالثَّمَنِ، فَاسْتَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فَقَالَ: لَا تَقْرَبْهَا، وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ".
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ اشْتَرَى جَارِيَةً وَاشْتَرَطَ خِدْمَتَهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه: لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَلَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا مِنْ مَصْلَحَتِهِ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ. كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْمَبِيعَ فَإِنْ قَبَضَ الْمَبِيعَ لَمْ يَمْلِكْهُ، لِأَنَّهُ قَبْضٌ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، فَلَا يُوجِبُ الْمِلْكَ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا وَجَبَ رَدُّهُ وَإِنْ هَلَكَ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إلَى حِينِ التَّلَفِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّلَفِ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي إمْسَاكِهِ فَضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّلَفِ كَالْعَارِيَّةِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّهُ قَبْضٌ مَضْمُونٌ فِي عَيْنٍ يَجِبُ رَدُّهَا فَإِنْ هَلَكَتْ ضَمِنَهَا بِأَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إلَى حِينِ التَّلَفِ، كَقَبْضِ الْغَاصِبِ.