ج / 9 ص -260- لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّا جَوَّزْنَا لَهُ الْأَكْلَ لِلْحَاجَةِ، وَلَا نُجَوِّزُ مَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ الْمَرْكُوبِ فِي الْبَلَدِ مِنْ هَذَا الْمَالِ.
فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ بِمَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ فَلِيَجْتَهِدْ أَنْ يَكُونَ قُوتُهُ فِي جَمِيعِ طَرِيقِهِ مِنْ حَلَالٍ، فَإِنْ عَجَزَ فَلِيَكُنْ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ إلَى التَّحْلِيلِ وَلِيَجْتَهِدْ فِي الْحَلَالِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا آخِرُ الْفُرُوعِ الَّتِي انْتَخَبْتُهَا مِنْ إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فرع: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: اخْتَلَفُوا فِي مُبَايَعَةِ مَنْ يُخَالِطُ مَالَهُ حَرَامٌ، وَقَبُولِ هَدِيَّتِهِ وَجَائِزَتِهِ، فَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ، قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَبِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رضي الله عنهم أجمعين.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَيُكْرَهُ بَيْعُ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَعْصِرُ الْخَمْرَ، وَالتَّمْرَ مِمَّنْ يَعْمَلُ النَّبِيذَ، وَبَيْعُ السِّلَاحِ مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعُونَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ بَاعَ مِنْهُ صَحَّ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَّخِذُ الْخَمْرَ وَلَا يَعْصِي اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالسِّلَاحِ.
الشَّرْحُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْمُخْتَصَرِ: أَكْرَهُ بَيْعَ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَعْصِرُ الْخَمْرَ وَالسَّيْفَ مِمَّنْ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى بِهِ، وَلَا أَنْقُضُ هَذَا الْبَيْعَ، هَذَا نَصُّهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ بَيْعُ الْعَصِيرِ لِمَنْ عُرِفَ بِاِتِّخَاذِ الْخَمْرِ، وَالتَّمْرِ لِمَنْ عُرِفَ بِاِتِّخَاذِ النَّبِيذِ، وَالسِّلَاحِ لِمَنْ عُرِفَ بِالْعِصْيَانِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ اتِّخَاذُهُ لِذَلِكَ خَمْرًا وَنَبِيذًا وَأَنَّهُ يَعْصِي بِهَذَا السِّلَاحِ، فَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أحدهما: نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: يُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَلَا يَحْرُمُ وأصحهما: يَحْرُمُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ فَلَوْ بَاعَهُ صَحَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُرْتَكِبًا لِلْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَبَيْعُ الْغِلْمَانِ الْمُرْدِ الْحِسَانِ لِمَنْ عُرِفَ بِالْفُجُورِ بِالْغِلْمَانِ كَبَيْعِ الْعِنَبِ لِلْخَمَّارِ، قَالَ: وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ يُفْضِي إلَى مَعْصِيَةٍ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ بَيْعَ السِّلَاحِ لِمَنْ عُرِفَ عِصْيَانُهُ بِالسِّلَاحِ مَكْرُوهٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ وَالْبُغَاةُ وأما بَيْعُ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَحَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ بَاعَهُمْ إيَّاهُ لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَحَكَيْنَا وَجْهًا لَهُمَا وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالشَّاشِيِّ وَالرُّويَانِيِّ شَاذًّا أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا الْوَجْهُ مُنْقَاسٌ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ. وَاحْتَجُّوا لِلْمَذْهَبِ بِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَ السِّلَاحَ لِقِتَالِنَا، فَالتَّسْلِيمُ إلَيْهِمْ مَعْصِيَةٌ، فَيَصِيرُ بَائِعًا مَا يَعْجِزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا، فَلَا يَنْعَقِدُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ أُمِرَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فِيهِ، كَمَا فِي شِرَائِهِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وأما: بَيْعُ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ أحدهما: وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ