ج / 9 ص -256- عَنْهَا مَعْدِلًا، لِأَنَّ تِلْكَ الْآلَاتِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهَا مَالِكٌ كَانَ حُكْمُهَا أَنْ تُرْصَدَ لِلْمَصَالِحِ وَهَذَا مِنْهَا، وَإِذَا عَرَفَ أَنَّ الْأَحْجَارَ وَاللَّبِنَ مَغْصُوبَةٌ مِنْ إنْسَانٍ أَوْ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْعُبُورُ عَلَيْهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ يَحِلُّ بِهَا ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ ثُمَّ يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ مِنْ الْمَالِكِ الَّذِي يَعْرِفُهُ.
وأما: الْمَسْجِدُ فَإِنْ بُنِيَ مِنْ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ خَشَبٍ مَغْصُوبٍ مِنْ مَسْجِدٍ آخَرَ أَوْ مِلْكِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ فَيَحْرُمُ دُخُولُهُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالٍ لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ فَالْوَرَعُ الْعُدُولُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَمْ يَتْرُكْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَنَاهُ بِمَالِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مَعْرُوفٌ، فَيَكُونُ لِلْمَصَالِحِ.
وأما السِّقَايَاتُ فَحُكْمُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فَالْوَرَعُ تَرْكُ الْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ مِنْهَا وَتَرْكُ دُخُولِهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
وأما: الرِّبَاطُ وَالْمَدْرَسَةُ فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُهَا مَغْصُوبَةً أَوْ الْأَكْنَافُ كَاللَّبِنِ وَالْحِجَارَةِ وَأَمْكَنَ رَدُّهَا إلَى مَالِكِهَا لَمْ يَجُزْ دُخُولُهَا وَإِنْ اشْتَبَهَ فَلَهُ دُخُولُهَا وَالْمُكْثُ فِيهَا وَالْوَرَعُ تَرْكُهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ بِدَفْعِ شَيْءٍ مِنْ خِزَانَتِهِ لِإِنْسَانٍ يَسْتَحِقُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا، وَعَلِمَ أَنَّ الْخِزَانَةَ فِيهَا الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، وَالْحَلَالُ فِي أَيْدِي سَلَاطِينِ هَذِهِ الْأَزْمَانِ عَزِيزٌ أَوْ مَعْدُومٌ1 وَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا كَوْنُهُ مِنْ الْحَلَالِ أَوْ كَوْنُهُ مِنْ الْحَرَامِ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أَخْذُهُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ حَلَالٌ، قَالَ: وَكِلَاهُمَا إسْرَافٌ وَالْأَعْدَلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ حَرَامًا حَرُمَ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَفِيهِ تَوَقُّفٌ، هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ.
وَهُوَ جَارٍ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُخْتَلَطُ أَكْثَرُهُ حَرَامًا حَرُمَ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَهَكَذَا مِثَالُ خِزَانَةِ السُّلْطَانِ يَكُونُ مَكْرُوهًا قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَاحْتَجَّ مَنْ جَوَّزَهُ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَخَذُوا مِنْ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، وَنُوَّابِهِمْ الظَّلَمَةِ، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو أَيُّوبَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ الْحَجَّاجِ، وَالشَّافِعِيِّ مِنْ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَأَخَذَ مَالِكٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَإِنَّمَا تَرَكَ مَنْ تَرَكَ مِنْهُمْ الْأَخْذَ تَوَرُّعًا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَزَعَمَتْ هَذِهِ الْفِرْقَةُ أَنَّ مَا نُقِلَ مِنْ امْتِنَاعِ جَمَاعَةٍ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمٍ، وَكَمَا أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَأَبَا ذَرٍّ وَآخَرِينَ مِنْ الزُّهَّادِ، تَرَكُوا الْحَلَالَ الْمُطْلَقَ، الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ زُهْدًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّهُ قَلِيلٌ مَحْصُورٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا نُقِلَ مِنْ رَدِّهِمْ وَإِنْكَارِهِمْ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ تَحَقَّقُوا أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ الْمَصْرُوفَ إلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ حَلَالٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِمْ حَلَالًا وَلَا يَضُرُّهُمْ كَوْنُ يَدِ السُّلْطَانِ مُشْتَمِلَةً عَلَى حَرَامٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ هَذَا، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل والسقط (فلا يجوز له أخذه) (المطيعي) .