فهرس الكتاب

الصفحة 3255 من 4102

ج / 9 ص -257- وَصَرَفُوهُ فِي مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَخْذُنَا لَهُ كُلِّهِ وَصَرْفُنَا إيَّاهُ فِي الْمُحْتَاجِينَ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ فِي يَدِ السُّلْطَانِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إنَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْيَوْمَ الْجَوَائِزَ وَيَحْتَجُّونَ بِابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، لَا يَقْتَدُونَ بِهِمَا، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَرَّقَ مَا أَخَذَ حَتَّى اسْتَقْرَضَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ أَنْ فَرَّقَ سِتِّينَ أَلْفًا، وَكَذَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها وَكَذَا فَعَلَ الشَّافِعِيُّ، أَخَذَ مِنْ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَفَرَّقَهُ فِي الْحَالِ، فَلَمْ يَدَّخِرْ مِنْهُ حَبَّةً، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ الْأَمْوَالَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَوَائِلِ بَعْدَ الرَّاشِدِينَ كَانَ مَا عِنْدَ السُّلْطَانِ مِنْهَا غَالِبُهُ حَلَالٌ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي أَيْدِي السَّلَاطِينِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، فَإِنَّ مُعْظَمَهَا حَرَامٌ، وَالْحَلَالُ فِيهَا قَلِيلٌ جِدًّا.

فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَالُ الْمَصَالِحِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَّا لِمَنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، أَوْ هُوَ مُحْتَاجٌ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ مِثْلُ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرًا تَتَعَدَّى مَصْلَحَتُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالْكَسْبِ لَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ، فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كِفَايَتُهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ عُلَمَاءِ الدِّينِ، كَعِلْمِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهَا، وَيَدْخُلُ فِيهِ طَلَبَةُ هَذِهِ الْعُلُومِ وَالْقُضَاةُ وَالْمُؤَذِّنُونَ وَالْأَجْنَادُ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى هَؤُلَاءِ مَعَ الْغِنَى، وَيَكُونُ قَدْرُ الْعَطَاءِ إلَى رَأْيِ السُّلْطَانِ، وَمَا تَقْتَضِيه الْمَصْلَحَةُ، وَيَخْتَلِفُ بِضِيقِ الْمَالِ وَسَعَتِهِ.

فَرْعٌ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَوْ لَمْ يَدْفَعْ السُّلْطَانُ إلَى كُلِّ الْمُسْتَحَقِّينَ حُقُوقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟ قَالَ: فِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ أَصْلًا وَلَا حَبَّةٍ، لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَلَا يُدْرَى حِصَّتُهُ مِنْهُ حَبَّةٌ أَوْ دَانِقٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، فَهَذَا غُلُوٌّ والثاني: يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ قُوتَ يَوْمِهِ فَقَطْ والثالث: يَأْخُذُ كِفَايَتَهُ سَنَةً والرابع: يَأْخُذُ مَا يُعْطَى وَهُوَ حِصَّتُهُ، وَالْبَاقُونَ يُظْلَمُونَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كَالْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَالْمِيرَاثِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُمْ حَتَّى لَوْ مَاتُوا قُسِّمَ بَيْنَ وَرَثَتِهِمْ، وَهُنَا لَوْ مَاتَ لَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ إرْثَ شَيْءٍ، وَهَذَا إذَا صُرِفَ إلَيْهِ مَا يَلِيقُ صَرْفُهُ إلَيْهِ.

فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ: إذَا بَعَثَ السُّلْطَانُ إلَى إنْسَانٍ مَالًا لِيُفَرِّقَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ مَغْصُوبٌ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَتَفْرِقَتُهُ، لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إنْ قَارَنَتْهُ مَفْسَدَةٌ بِحَيْثُ يَغْتَرُّ بِهِ جُهَّالٌ وَيَعْتَقِدُونَ طِيبَ أَمْوَالِ السُّلْطَانِ، أَوْ يَجِبُ بَقَاءُ ذَلِكَ السُّلْطَانِ مَعَ ظُلْمِهِ، قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ مُعَامَلَةَ السُّلْطَانِ وَعُلَمَائِهِ وَأَعْوَانِهِ وَعُمَّالِهِمْ.

فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْأَسْوَاقُ الَّتِي بَنَاهَا السَّلَاطِينُ بِالْأَمْوَالِ الْحَرَامِ تَحْرُمُ التِّجَارَةُ فِيهَا وَسُكْنَاهَا، فَإِنْ سَكَنَهَا بِأُجْرَةٍ وَكَسَبَ شَيْئًا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ كَانَ عَاصِيًا بِسُكْنَاهُ، وَلَا يَحْرُمُ كَسْبُهُ، وَلِلنَّاسِ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُ، وَلَكِنْ إنْ وَجَدُوا سُوقًا أُخْرَى فَالشِّرَاءُ مِنْهَا أَوْلَى لِأَنَّ الشِّرَاءَ مِنْ الْأُولَى إعَانَةٌ لِسُكَّانِهَا وَتَرْغِيبٌ فِي سُكْنَاهَا، وَكَثْرَةُ أُجْرَتِهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ مَغْصُوبٌ مِنْ النَّاسِ مُعَيَّنٌ، فَاخْتَلَطَ بِمَالِهِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ، وَأَرَادَ التَّوْبَةَ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَتَرَاضَى هُوَ وَصَاحِبُ الْمَغْصُوبِ بِالْقِسْمَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت