ج / 9 ص -162- وَتَسْلِيمُهُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ بَعْدَهَا، قَالَ: لِأَنَّ قَبْضَهُ تَصَرُّفٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا وَسَلَفًا، فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ ثُمَّ فَسَخَا الْبَيْعَ اسْتَرْجَعَ الثَّمَنَ مِنْهُ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ أَقْرَضَهُ الثَّمَنَ وَاسْتَرْجَعَهُ مِنْهُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْقَبْضَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ، فَكَانَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ كَالْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، لِأَنَّ امْتِنَاعَ التَّسْلِيمِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ لِحَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ جَازَ كَالْإِقَالَةِ وَغَيْرِهِ وأما قَوْلُهُ: الْقَبْضُ تَصَرُّفٌ فَلَا يُسَلِّمُهُ أَصْحَابُنَا، وَكَذَا لَا يُسَلِّمُونَ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَلَا يُؤَدِّي إلَيْهِ وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا سَلَّمَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُمَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا. وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ مَالِكٍ إسْقَاطَ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الرِّضَى، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَقْصُودَهُ بِالتَّسْلِيمِ الْخَلَاصُ مِنْ عُهْدَةِ ضَمَانِهِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَهَلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْعِوَضِ الْآخَرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَهُ، لِأَنَّ هَذَا التَّسْلِيمَ لَا يُسْقِطُ الْخِيَارَ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ والثاني: لَيْسَ بِهِ، لِتَضَمُّنِهِ إسْقَاطَ حَقِّ الْحَبْسِ.
فرع: إذَا أَلْحَقْنَا بِالْحَبْسِ فِي مُدَّةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ أَوْ نَقْصًا أَوْ زِيَادَةَ خِيَارٍ أَوْ أَجَازَا وَشَرَطَا نَقْدًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهَلْ يُلْحَقُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَنَذْكُرُهَا بِفُرُوعِهَا مَبْسُوطَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ مِنْ الشَّرْطِ أَصَحُّهَا: أَنَّهُ كَالْمُقَارِنِ لِلْعَقْدِ والثاني: أَنَّهُ لَغْوٌ والثالث: إنْ كَانَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَكَالْمُقَارِنِ وَإِنْ كَانَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فَلَغْوٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: إذَا تَقَابَضَا الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ثُمَّ تَفَاسَخَا لَزِمَهُمَا تَرْدَادُ الْعِوَضَيْنِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْسُ مَا فِي يَدِهِ بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِهِ، فَلَيْسَ لَهُ إذَا طَلَبَ صَاحِبُهُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَرُدُّ حَتَّى تَرُدَّ أَنْتَ، بَلْ إذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا بِالْمُطَالَبَةِ لَزِمَ الْآخَرَ الدَّفْعُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَرُدُّ مَا كَانَ فِي يَدِهِ قَالَ: بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُ الثَّمَنَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ حَبَسَ مَا فِي يَدِهِ حَتَّى يَدْفَعَ صَاحِبُهُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِيهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَسْخَ هُنَا رَفَعَ حُكْمَ الْعَقْدِ وَبَقِيَ التَّسْلِيمُ بِحُكْمِ الْيَدِ دُونَ الْعَقْدِ، وَالْيَدُ تُوجِبُ الرَّدَّ، وَهُنَاكَ التَّسْلِيمُ بِالْعَقْدِ وَالْعَقْدُ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي شَرْطِ الْخِيَارِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِهِ، فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ وَزُفَرُ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَفُقَهَاءُ الْمُحَدِّثِينَ يَجُوزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فِيهِ، فَيَجُوزُ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ، وَفِي الْجَارِيَةِ وَنَحْوِهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ وَسَبْعَةٌ، وَفِي الدَّارِ نَحْوُ الشَّهْرِ.