ج / 9 ص -120- أَوْلَى أَنْ لَا تَنْعَقِدَ وإن قلنا: بِالصِّحَّةِ فَفِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ الْوَجْهَانِ فِي انْعِقَادِهِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا. أصحهما: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لَا يَصِحُّ: والثاني: وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ بِالْمُكَاتَبَةِ لِحُصُولِ التَّرَاضِي، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الرَّاجِحَ انْعِقَادُهُ بِالْمُعَاطَاةِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ بِتَرْجِيحِ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِالْمُكَاتَبَةِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وإن قلنا: يَصِحُّ فَشَرْطُهُ أَنْ يَقْبَلَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ، بَلْ يَكْفِي التَّوَاصُلُ اللَّائِقُ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ.
أَمَّا إذَا تَبَايَعَ حَاضِرَانِ بِالْكِتَابَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ مَنَعْنَاهُ فِي الْغَيْبَةِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَإِذَا صَحَّحْنَا الْبَيْعَ بِالْمُكَاتَبَةِ جَازَ الْقَبُولُ بِالْكَتْبِ وَبِاللَّفْظِ، ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَحُكْمُ الْكَتْبِ عَلَى الْقِرْطَاسِ وَالرَّقِّ وَاللَّوْحِ وَالْأَرْضِ وَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَاحِدٌ، وَلَا أَثَرَ لِرَسْمِ الْأَحْرُفِ عَلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ تَفْرِيعًا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْمُكَاتَبَةِ: لَوْ قَالَ بِعْتُ دَارِي لِفُلَانٍ وَهُوَ غَائِبٌ. فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ قَالَ:"قَبِلْتُ"انْعَقَدَ الْبَيْعُ. لِأَنَّ النُّطْقَ أَقْوَى مِنْ الْكَتْبِ.، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: أَمَّا النِّكَاحُ فَفِي انْعِقَادِهِ بِالْمُكَاتَبَةِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ آخَرُونَ قَالُوا: إنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فَالنِّكَاحُ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَالْمَذْهَبُ"أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِيهِ، وَلَا اطِّلَاعَ لِلشُّهُودِ عَلَى النِّيَّةِ وَلَوْ قَالَا بَعْدَ الْمُكَاتَبَةِ: نَوَيْنَا، كَانَتْ شَهَادَةٌ عَلَى إقْرَارِهِمَا لَا عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ. وَمَنْ جَوَّزَهُ اعْتَمَدَ الْحَاجَةَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِانْعِقَادِ النِّكَاحِ بِالْمُكَاتَبَةِ فَلْيَكْتُبْ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، وَيَحْضُرُ الْكِتَابَ عَدْلَانِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْضِرَهُمَا، وَلَا أَنْ يَقُولَ لَهُمَا: اشْهَدَا، بَلْ لَوْ حَضَرَا بِأَنْفُسِهِمَا كَفَى فَإِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ الزَّوْجَ فَلْيَقْبَلْ لَفْظًا، وَيَكْتُبُ الْقَبُولَ وَيَحْضُرُ الْقَبُولَ شَاهِدَا الْإِيجَابِ. فَإِنْ شَهِدَهُ آخَرَانِ فَوجهان أصحهما: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ شَاهِدٌ لَهُ والثاني: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ حَضَرَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ شَاهِدَانِ وَيُحْتَمَلُ تَغَايُرُهُمَا كَمَا اُحْتُمِلَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ. ثُمَّ إذَا قَبِلَ لَفْظًا أَوْ كِتَابَةً يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَلَى الْفَوْرِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ."
فرع: لَوْ كَتَبَ إلَيْهِ: وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ كَذَا مِنْ مَالِي أَوْ إعْتَاقِ عَبْدِي فَإِنْ قُلْنَا: الْوَكَالَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ فَهُوَ كَكَتْبِ الطَّلَاقِ وَإِلَّا فَكَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: إذَا صَحَّحْنَا الْبَيْعَ بِالْمُكَاتَبَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ فَقَبِلَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ الْقَبُولِ. قَالَ: وَيَتَمَادَى خِيَارُ الْكَاتِبِ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ خِيَارُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْإِيجَابِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ مَجْلِسَهُ صَحَّ رُجُوعُهُ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: لَوْ قَالَ الطَّالِبُ: بِعْنِي فَقَالَ بِعْتُكَ إنْ قَالَ بَعْدَهُ: اشْتَرَيْتُ أَوْ قَبِلْتُ انْعَقَدَ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ بَعْدَهُ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلًا: بِعْنِي فَطَرِيقَانِ، حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ