ج / 9 ص -115- حَتَّى فَعَلَ أَفْعَالًا كَثِيرَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَطْعًا ومنها: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَصَلَّى قَاعِدًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ.
فرع: الْمُصَادَرُ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَظْلِمُهُ بِطَلَبِ مَالٍ وَقَهْرِهِ عَلَى إحْضَارِهِ إذَا بَاعَ مَالَهُ لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ وَالْأَذَى الَّذِي يَنَالُهُ، هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ وَقَدْ سَبَقَا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ فِي مَسَائِلِ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مَالَ الْأَجْنَبِيِّ أحدهما: لَا يَصِحُّ كَالْمُكْرَهِ وأصحهما: يَصِحُّ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ، لِأَنَّهُ لَا إكْرَاهَ عَلَى نَفْسِ الْبَيْعِ، وَمَقْصُودُ الظَّالِمِ تَحْصِيلُ الْمَالِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُكْرَهَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ فِي حَالِ اخْتِيَارِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَهَذَا مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي دَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَشْيَاءَ لَا يُحْتَجُّ بِهَا مِنْهَا: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه قَالَ:"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ وَبَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرَكَ"وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَنْ"عَلِيٍّ قَالَ: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:"وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ"يُعَزُّ الْأَشْرَارُ وَيُسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ وَمَا يُمْنَعُ الْمُضْطَرُّونَ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُطْعِمَ"وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ هَذَا الشَّيْخَ مَجْهُولٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَكُلُّهَا غَيْرُ قَوِيَّةٍ ومنها: مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَرْكَبَنَّ رَجُلٌ بَحْرًا إلَّا غَازِيًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ حَاجًّا، فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا وَتَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَلَا يُشْتَرَى مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فِي ضَغْطَةٍ"قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ."
فرع: ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ بَيْعَ الْمُضْطَرِّ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ أحدهما:، أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الْعَقْدِ مِنْ طَرِيقِ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ والثاني: أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الْبَيْعِ لِدَيْنٍ أَوْ مُؤْنَةٍ تُرْهِقُهُ، فَيَبِيعُ مَا فِي يَدِهِ، فَالْوَكْسُ مِنْ أَجْلِ الضَّرُورَةِ، فَسَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ الْمُرُوءَةُ أَنْ لَا يُتْرَكَ حَتَّى يَبِيعَ مَالَهُ، وَلَكِنْ يُعَانُ وَيُقْرَضُ وَيُسْتَمْهَلُ لَهُ إلَى الْمَيْسَرَةِ، حَتَّى يَكُونَ لَهُ فِيهِ بَلَاغٌ. فَإِنْ عَقَدَ الْبَيْعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّ وَلَمْ يُفْسَخْ، وَلَكِنْ كَرِهَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ. هَذَا لَفْظُ الْخَطَّابِيِّ رضي الله عنه، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَأَمَّا الْمُعَاطَاةُ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ، لِأَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ. وَالْإِيجَابُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا،