ج / 9 ص -116- وَالْقَبُولُ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ أَوْ ابْتَعْتُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُمَا فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: بِعْنِي، فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ انْعَقَدَ الْبَيْعُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ. وَإِنْ كَتَبَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ والثاني: لَا يَنْعَقِدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى النُّطْقِ، فَلَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِغَيْرِهِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ الْأَوَّلِ: إنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُوَكِّلَ مِنْ بَيْعِهِ بِالْقَوْلِ.
الشرح: فِيهِ مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا تَصِحُّ الْمُعَاطَاةُ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْمُعَاطَاةِ خَرَّجَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْهَدْيِ إذَا قَلَّدَهُ صَاحِبُهُ، فَهَلْ يَصِيرُ بِالتَّقْلِيدِ هَدْيًا مَنْذُورًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ الصحيح: الْجَدِيدُ لَا يَصِيرُ وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يَصِيرُ وَيُقَامُ الْفِعْلُ مَقَامَ الْقَوْلِ فَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَجْهًا فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ. ثُمَّ إنَّ الْغَزَالِيَّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيَّ وَالْجُمْهُورَ نَقَلُوا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ تَجُوزُ الْمُعَاطَاةُ فِي الْمُحَقَّرَاتِ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ جَوَّزَهَا فِي الْمُحَقَّرَاتِ دُونَ الْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ. وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ جَوَّزَهَا وَلَمْ يُقَيِّدْ الْإِمَامُ فِي نَقْلِهِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ بِالْمُحَقَّرَاتِ كَمَا قَيَّدَ فِي نَقْلِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ وَاكْتَفَى بِالتَّقْيِيدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ عَلَى الْغَزَالِيِّ كَوْنَهُ حَكَى عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ تَجْوِيزَهَا فِي الْمُحَقَّرَاتِ، وَقَالَ: لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ بِالْمُحَقَّرَاتِ، وَهَذَا الْإِنْكَارُ عَلَى الْغَزَالِيِّ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ التَّخْصِيصُ بِالْمُحَقَّرَاتِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَارَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا جَوَازَ الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ فِيمَا يُعَدُّ بَيْعًا. وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، وَمِمَّنْ اخْتَارَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُعَاطَاةَ - فِيمَا يُعَدُّ بَيْعًا - صَحِيحَةٌ وَأَنَّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَكَانَ الرُّويَانِيُّ يُفْتِي بِهِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى، وَكَذَا قَالَهُ آخَرُونَ. وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ الْبَيْعَ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ لَفْظٌ لَهُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ فَكُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا كَانَ بَيْعًا كَمَا فِي الْقَبْضِ وَالْحِرْزِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَلَفْظَةُ الْبَيْعِ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ اشْتَهَرَتْ الْأَحَادِيثُ بِالْبَيْعِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ رضي الله عنهم فِي زَمَنِهِ وَبَعْدَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَعَ كَثْرَتِهَا اشْتِرَاطُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَحْسَنُ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَوْضَحَهَا الْمُتَوَلِّي فَقَالَ: الْمُعَاطَاةُ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ بِأَنْ يَزِنَ النَّقْدَ، وَيَأْخُذَ الْمَتَاعَ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَلَا قَبُولٍ لَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: كُلُّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ بِالْمُعَاطَاةِ وَعَدَّهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ. وَمَا لَمْ تَجْرِ فِيهِ الْعَادَةُ بِالْمُعَاطَاةِ كَالْجَوَارِي وَالدَّوَابِّ وَالْعَقَارِ لَا يَكُونُ بَيْعًا. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ فِي الْمُحَقَّرَاتِ. فَأَمَّا النَّفِيسُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ