ج / 9 ص -113- مِلْكِهِ حَتَّى لَوْ ضَاعَ ضَاعَ عَلَى الدَّافِعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّبِيِّ، لِأَنَّ الدَّافِعَ ضَيَّعَهُ بِتَسْلِيمِهِ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ. وَلَا يَزُولُ الدَّيْنُ عَنْ الذِّمَّةِ كَمَا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ: أَلْقِ حَقِّي فِي الْبَحْرِ، فَأَلْقَى قَدْرَ حَقِّهِ لَا يَبْرَأُ بِلَا خِلَافٍ وَمَا يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِ الْمُلْقِي، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودِعِ: سَلِّمْ وَدِيعَتِي إلَى هَذَا الصَّبِيِّ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ، لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمَرَهُ فِي حَقِّهِ الْمُعَيَّنِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ فَأَلْقَاهَا، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَلَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ لِصَبِيٍّ فَسَلَّمَهَا إلَى الصَّبِيِّ ضَمِنَ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُودِعِ تَضْيِيعُهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِيهِ. هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ هَذَا الْفَرْعَ عَنْ الْأَصْحَابِ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ. قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ أَمْ لَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجَازَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ يَعْنِي بِلَا إذْنٍ، دَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: فَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ. لقوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: من الآية29] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَرَاضٍ لَمْ يَحِلَّ الْأَكْلُ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ"فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَيْعَ عَنْ غَيْر تَرَاضٍ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَصِحَّ، كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُ، وَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ صَحَّ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَصَحَّ، كَكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا الْحَرْبِيُّ.
الشرح: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَأَلْقَيَنَّ اللَّهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُعْطِيَ أَحَدًا مِنْ مَالِ أَحَدٍ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ، إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ"وَقَوْلُهُ:"لِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ"احْتَرَزَ بِالْقَوْلِ عَنْ الْفِعْلِ، بِأَنْ أُكْرِهَتْ عَلَى الْإِرْضَاعِ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُمَا، وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ:"بِغَيْرِ حَقٍّ"عَنْ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ كَإِكْرَاهِ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِكْرَاهِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُتَمَكِّنٌ فِي الْبَيْعِ فِي أَدَائِهِ.
أَمَّا الْأَحْكَامُ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْمُكْرَهُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ كَانَ إكْرَاهُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ صَحَّ، وَصُورَةُ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ فِيهِ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ الْمَالِكِ مِنْ الْوَفَاءِ وَالْبَيْعِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ، وَالْأَصْحَابُ: الْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ بَاعَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَكْرَهَهُ عَلَى